التقرير الذي ترجمته “المحيط” عن منظمة ’’دون’’ الاميركية يتحدث عن تورط مقاتلين من جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر في الصراع السوري إلى جانب نظام الأسد، وكيف تواجه السلطات السورية الجديدة تحدي محاسبة هؤلاء المقاتلين ضمن جهود العدالة الانتقالية.
لطالما دعمت إيران مجموعة واسعة من الجماعات المسلحة لزعزعة استقرار الدول وتعزيز مصالحها، خاصة في سوريا. وتشمل الجماعات المسلحة المدعومة من طهران حزب الله اللبناني، وحماس، والحوثيين في اليمن، والعديد من الجماعات المسلحة العراقية، بالإضافة إلى ميليشيات الفاطميون الأفغانية والزينبيون الباكستانية. واليوم، تواجه سوريا التي تحاول الانتقال من حرب دامت قرابة 14 عاماً، مهمة شاقة في التعامل مع المقاتلين المتبقين من هذه الجماعات بينما تتعامل مع جهود العدالة الانتقالية.
الأمر الأقل شهرة ولكن المهم بنفس القدر لجهود العدالة الانتقالية، هو أن شبكة الوكلاء الإيرانية في سوريا تضمنت جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر .
كان الهدف الاستراتيجي الطويل المدى لإيران في سوريا هو إنشاء جسر بري يربطها بالبحر المتوسط. وقد وفر نزاع 2011 فرصة لطهران، فمن خلال شبكة من الطرق والتحالفات، دعمت طهران نظام الأسد عبر تعزيز نفوذها في سوريا من خلال هذه الجماعات وتعزيز قدرتها على إمداد حزب الله.
منذ انتهاء الحرب، ظهرت بوضوح أكبر حقيقة هذه الجماعات المدعومة من إيران.
وتؤكد التقارير الحديثة، بما في ذلك مقال لواشنطن بوست في أبريل نقلاً عن مسؤولين إقليميين وأوروبيين، أن مقاتلين من جبهة البوليساريو المتمركزة في الجزائر كانوا موجودين أيضا في سوريا ودربتهم إيران، مع احتجاز المئات منهم الآن من قبل قوات الأمن السورية الجديدة.
في ماي، عرضت دويتشه فيله العربية صورا نادرة لمقاتلي البوليساريو في سوريا، رغم أن موقعهم الدقيق ظل غير واضح.
وتضمن التقرير الذي حررته الباحثة الالمانية رينا نيتجس، واطلعت عليه المحيط، وثيقة اكتُشفت في مقر جهاز المخابرات السورية، تؤكد وجود 120 جنديا من البوليساريو في البلاد في مرحلة مبكرة من هجمات المعارضة السورية.
الوثيقة التي تعود لعام 2012، والتي أكد الخبراء السوريون صحتها، كانت من جهاز الأمن السوري 279.
وأكدت وجود 120 مقاتل من الجبهة من أربع ألوية في سوريا، مدمجين في وحدات الجيش العربي السوري. كما ذكرت الوثيقة محادثات بين قادة البوليساريو و”المقاومة” (حزب الله) في بيروت في يناير 2011، في المراحل المبكرة للربيع العربي.
بالإضافة إلى دعم الجيش السوري، سافر مسلحو البوليساريو إلى سوريا لتلقي تدريب عسكري من حزب الله، كما أخبر باحثون سوريون المؤلفة الشهر الماضي.
ووفقاً للباحثين، بعد انهيار نظام الأسد، فر بعض مقاتلي البوليساريو إلى لبنان. لم يكن انسحاباً منظماً، فبينما انهار النظام في 8 ديسمبر، فر مقاتلو حزب الله والعسكريون التابعون للنظام إلى لبنان بينما عبرت الميليشيات المدعومة من إيران، مثل الفاطميون والزينبيون، الحدود إلى العراق مع العديد من جنرالات الأسد.
سلم العراق منذ ذلك الحين الجنرالات السوريين والمقاتلين إلى دمشق. وأخبر الخبير العسكري محمد ياسين، العضو السابق في الائتلاف الوطني السوري (الإتلاف) والذي يعمل الآن كعضو في اللجنة العليا للانتخابات التابعة للسلطة الانتقالية، المؤلفة أنهم محتجزون.
قال ياسين: “لا أعرف أين مقاتلو البوليساريو”، مردداً رد الباحثين والخبراء الآخرين في سوريا. القليل من السوريين مهتمون بمصير مقاتلي البوليساريو، والموضوع لا يُناقش في وسائل الإعلام المحلية. يقول الكثيرون إن هناك ملفات أكبر للتعامل معها.
وقال وائل علوان، مدير قسم البحوث في مركز جسور للدراسات في دمشق، في مقابلة: “لطالما دعم النظام البعثي السوري لحافظ وبشار الأسد الجماعات الانفصالية للضغط على الدول. دعموا حزب العمال الكردستاني ضد تركيا، والحوثيين ضد السعودية، وقوات حفتر ضد الحكومة في طرابلس، وجبهة البوليساريو ضد المغرب”.
وتابع علوان: “المغرب كان ضد بشار الأسد، بينما دعمت الجزائر الأسد بالكامل. لذلك كان من المتوقع أن يكون النظام مستعداً لاستقبال مقاتلين من جبهة البوليساريو، رغم أنه لم يكن له مكاسب كبيرة من الناحية الأمنية والعسكرية، والعكس صحيح. هذا قبل كل شيء قضية سياسية”.
وأخبر مصدر أمني غربي مؤلفة التقرير : “بالنسبة لجبهة البوليساريو، كان المكتب في سوريا أمراً بالغ الأهمية. إنه مكتبهم الرئيسي في الشرق الأوسط وكان ممثلهم مسؤولاً من دمشق عن المنطقة بأكملها”.
وقال عباس شريفة، الباحث السوري، في مقابلة: “كان لجبهة البوليساريو مكاتبها هنا في دمشق. تم احتجاز القليل منهم، لكن معظمهم فروا من البلاد مع حزب الله. كانت لهم علاقات مع إيران من خلال حزب الله”. ووفقاً لشريفة، احتفظت سوريا بـ”مكتب سياسي” للبوليساريو، ولم يحدث تدريب عسكري في البلاد.
وأوضح: “نظم حزب الله التدريب العسكري في معسكرات تدريب في جنوب لبنان، في وادي البقاع. هنا، كان لديهم مكتب للعلاقات السياسية”.
لم يعرف شريفة العدد الدقيق لمقاتلي البوليساريو ضمن صفوف نظام الأسد، لكنه قال إن ذلك يناسب أسلوب عمل النظام في استخدام البوليساريو للضغط على الولايات المتحدة والمغرب. وأضاف شريفة: “كما أعطى ورقة للجزائر، التي دافعت بقوة عن نظام الأسد وكانت من أول الدول التي طالبت بعودته إلى الجامعة العربية”.
وقال علوان: “أشرف النظام على هذا الملف، ولكن بالتعاون مع حزب الله والحرس الثوري الإيراني. على سبيل المثال، الحوثيون لم يأتوا مباشرة إلى سوريا. جاءوا من إيران، عبر العراق إلى دمشق. تلقوا بعض التدريب وعادوا”.
ووفقاً لعلوان، فإن مقاتلي البوليساريو القادمين إلى سوريا لن يستخدموا أسماءهم الحقيقية. وسيصل أيضاً العديد من المقاتلين الأجانب الآخرين عبر العراق، زاعمين زيارة ضريح السيدة زينب .
وأخبر مصدر عسكري المؤلفة في أبريل: “بين الحجاج الذين عادوا مؤخرا من العراق، بموجب اتفاق مع العراق، حددنا قائد ميليشيا عراقية قاتل في سوريا. إنه تحت المراقبة ويقيم في فندق في المنطقة المحيطة بالسيدة زينب”.
في فبراير، زار وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف دمشق وطلب من السلطات السورية الإفراج عن العسكريين الجزائريين ومقاتلي البوليساريو المدعومين من الجزائر. لكن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع رفض الطلب، وأبلغ وزير الخارجية الجزائري أن العسكريين الجزائريين برتبة عميد وحوالي 500 جندي من الجيش الجزائري وميليشيات البوليساريو سيحاكمون.
أكدت عدة مصادر مطلعة على الموضوع أن مقاتلي البوليساريو اعتُقلوا جنوب حلب أثناء الهجوم العسكري في نهاية العام الماضي.
وأخبر صحفي محلي مستقل المؤلفة: “المجموعة الآن في إدلب”. وأكد مصدر آخر هذه المعلومات قائلاً: “في ديسمبر، اعتقلوا 70 مقاتل من البوليساريو وعسكريين جزائريين جنوب حلب، بالقرب من مطار أبو ظهور العسكري في شرق محافظة إدلب”.
وأوضح مصدر مستقل ثالث صمت السلطات: “معظم البوليساريو في السجن. القليل فروا إلى لبنان. أثناء التحقيقات، اعترف بعض أعضاء البوليساريو بروابطهم مع الحرس الثوري الإيراني والمخابرات الإيرانية والجزائرية. ما زالوا يُستجوبون في السجون، وأثناء التحقيق، اعترف معظمهم بجرائم حرب ضد مدنيين سوريين”.
ورغم نفي البوليساريو ، غير أن المصادر التي ارتكز عليها التقرير تؤكد تورط عناصر من ميلشيات الجبهة في القتال مع الأسد ضد الشعب السوري. كما أن وسائل الإعلام السورية والعربية الأخرى ذكرت أن مكاتب البوليساريو أُغلقت مؤخراً في ماي.
إن وجود مقاتلي البوليساريو، وسط آلاف المقاتلين الأجانب في البلاد الذين قاتلوا في جميع الأطراف في النزاع، يثير أسئلة جدية حول العدالة الانتقالية في البلاد.
كشف رئيس لجنة العدالة الانتقالية السورية، عبد الباسط عبد اللطيف أن اللجنة تعمل على بناء جسور مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) وجميع الهيئات الدولية ذات الصلة لملاحقة بشار الأسد.
وتشمل هذه الجهود “الجناة” من عائلته مثل شقيقه ماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة، وشخصيات كبيرة أخرى في النظام.
في مقابلة مع العربية في 5 غشت، لم يستبعد عبد اللطيف محاسبة أفراد من الميليشيات العابرة للحدود، بما في ذلك أعضاء حزب الله، الذين شاركوا في سفك الدماء السورية.
إن وجود مقاتلي البوليساريو المدربين من حزب الله في سوريا، المنتشرين إلى جانب قوات الأسد، يمثل مثالاً على طبقات التدخل الأجنبي والحرب بالوكالة وجرائم الحرب غير المعالجة التي تستمر في مطاردة سوريا ما بعد النزاع.
ورغم أن انهيار نظام الأسد فتح الباب أمام التغيير المنتظر طويلاً، فإن فشل الدولة السورية في التحقيق بشفافية أو محاكمة الجرائم التي ارتكبها هؤلاء الوكلاء الأجانب يؤكد الفراغ المستمر في العدالة الانتقالية الذي تواجهه البلاد اليوم.
رغم أن لجنة العدالة الانتقالية لديها ولاية للتحقيق في جرائم الحرب، فإن الجهد ناقص بشدة حتى الآن. المقاتلون الأجانب من جميع أطراف النزاع، بما في ذلك أولئك من البوليساريو، متورطون في انتهاكات ضد المدنيين السوريين. الاعتقالات في إدلب، رغم أنها ملحوظة، لم تتبعها محاكمات شفافة أو تعويضات للضحايا أو اعتراف بالأخطاء من قبل أولئك الذين استضافوا أو نسقوا مع هؤلاء المقاتلين، بما في ذلك حزب الله وفيلق الحرس الثوري الإيراني.
وخلص التقرير إلى أن العدالة ليست مسعى سهلا، لكنها أيضاً ليست ترفاً جيوسياسيا. إنها ضرورة لشعب سوريا، الذي عانى ليس فقط تحت نظام واحد، بل تحت وطأة أجندات أجنبية متعددة وغزوات مسلحة. السوريون يريدون أكثر من من اي وقت مضى محو معاناتهم، خاصة وسط مخاوف من الصفقات الفاسدة أو المناورات الإقليمية للماضي.