spot_img

ذات صلة

جمع

لجنة المستشارين تصادق على قانون المجلس الوطني للصحافة

صادقت لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، اليوم...

أزمة “ميثوس”.. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي قضية أمن قومي

تحولت شركة "أنثروبيك" خلال أيام قليلة من أحد أبرز...

اتفاق واشنطن وطهران.. تهدئة مؤقتة أم سلام دائم؟

عاد الملف الإيراني إلى صدارة المشهد الدولي بعد الإعلان...

القادة الذين لا ينساهم الموظفون يفعلون هذا الأمر البسيط

ليس كل القادة الذين يتركون أثرا في حياة الموظفين...

هل يتحول كأس العالم إلى حدث لا يستطيع المشجع العادي تحمله؟

لطالما كان كأس العالم أكثر من مجرد بطولة لكرة...

هل يتحول كأس العالم إلى حدث لا يستطيع المشجع العادي تحمله؟

لطالما كان كأس العالم أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم. فمنذ عقود، ارتبطت صور الجماهير القادمة من مختلف أنحاء العالم بروح البطولة نفسها، حتى بدا أن المدرجات تشكل جزءا من المشهد لا يقل أهمية عن المباريات. فالمونديال لم يكن مجرد صراع بين المنتخبات، بل أيضا مناسبة استثنائية يعيش خلالها المشجعون تجربة السفر واكتشاف ثقافات جديدة ومساندة منتخباتهم من قلب الحدث.

غير أن نسخة 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بدأت تطرح سؤالا مختلفا: هل ما زال كأس العالم في متناول المشجع العادي، أم أنه يتحول تدريجيا إلى حدث ترتفع كلفته إلى درجة تجعل حضوره مقتصرا على فئات محدودة؟

عاد هذا النقاش إلى الواجهة بعدما نشرت صحيفة “نيويورك بوست” الأمريكية تقريرا عن مشجعين يستعد بعضهم لإنفاق أكثر من 20 ألف دولار لحضور عدد محدود من مباريات البطولة، في وقت تشهد فيه أسعار التذاكر والفنادق والرحلات الجوية ارتفاعا ملحوظا مقارنة بنسخ سابقة من كأس العالم.

وبالنسبة للمغاربة، يكتسي هذا السؤال أهمية خاصة بالنظر إلى الحضور الجماهيري اللافت الذي رافق المنتخب الوطني خلال آخر مشاركتين في كأس العالم، سواء في روسيا سنة 2018 أو في قطر سنة 2022، حيث تحولت الجماهير المغربية إلى أحد أبرز عناوين البطولة.

في روسيا سنة 2018، ورغم أن البطولة أقيمت خارج الفضاء التقليدي الذي اعتادت عليه الجماهير المغربية، فإن آلاف المشجعين تمكنوا من مرافقة المنتخب الوطني في مختلف مبارياته. وساهمت التسهيلات التنظيمية التي وفرتها السلطات الروسية آنذاك، إلى جانب تكاليف الإقامة والتنقل التي ظلت في حدود معقولة مقارنة بوجهات أخرى، في تشجيع عدد كبير من المشجعين على السفر. كما استفاد المغرب من عامل مهم تمثل في القرب النسبي لروسيا من أوروبا، حيث تقيم جاليات مغربية كبيرة في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإيطاليا. وقد سمح ذلك لآلاف المغاربة المقيمين في القارة الأوروبية بالوصول إلى المدن الروسية بسهولة أكبر وبتكاليف أقل، ما جعل الحضور المغربي في المدرجات يتجاوز القادمين من المملكة ليشمل أيضا أبناء الجالية الذين شكلوا جزءا مهما من المشهد الجماهيري خلال تلك النسخة.

أما مونديال قطر 2022، فقد شكل حالة استثنائية يصعب تكرارها. فبرغم أن الدوحة تبعد آلاف الكيلومترات عن المغرب، فإن سهولة الربط الجوي بين البلدين، والعلاقات المتميزة التي تجمع الرباط والدوحة، والقرب الثقافي واللغوي والديني، فضلا عن الحضور العربي الكثيف، جعلت المشجع المغربي يشعر بأنه أقرب إلى أجواء مألوفة مقارنة بأي مونديال سابق. كما ساهمت المساحة الجغرافية المحدودة لقطر في تسهيل التنقل بين الملاعب والمدن، وهو ما أتاح لآلاف المشجعين حضور أكثر من مباراة خلال فترة قصيرة. وتحولت المدرجات القطرية إلى امتداد للجمهور المغربي، قبل أن تبلغ هذه الظاهرة ذروتها خلال المسار التاريخي للمنتخب الوطني نحو نصف نهائي البطولة.

لكن الصورة تبدو مختلفة تماما في مونديال 2026.

فالبطولة ستقام لأول مرة في ثلاث دول مختلفة وعلى مساحة جغرافية هائلة تمتد من المكسيك إلى كندا مرورا بالولايات المتحدة. كما ستحتضن 16 مدينة المنافسات، ما يعني أن المشجع الذي يرغب في متابعة جميع مباريات منتخب بلاده قد يجد نفسه مضطرا إلى التنقل آلاف الكيلومترات بين مدينة وأخرى خلال فترة قصيرة.

ولا يتعلق الأمر بالمسافة فقط، بل بالكلفة أيضا.

فأسعار الرحلات الجوية بين المغرب وأمريكا الشمالية تبقى مرتفعة بالنسبة لشريحة واسعة من الجماهير، خاصة خلال فصل الصيف الذي يعرف أصلا ضغطا كبيرا على السفر الدولي. كما أن الإقامة في مدن مثل نيويورك وميامي ولوس أنجلوس وسياتل وتورونتو وفانكوفر تعد من بين الأعلى تكلفة في العالم، ناهيك عن مصاريف التنقل الداخلي بين المدن المستضيفة.

ويضاف إلى ذلك عامل التأشيرة، الذي قد يمثل عقبة إضافية أمام عدد من المشجعين. ففي حين استفاد المغاربة في بعض النسخ السابقة من ترتيبات خاصة أو إجراءات أكثر مرونة، تظل التأشيرة الأمريكية مرتبطة بمساطر إدارية ومواعيد وانتظار قد لا تناسب الجميع.

لهذه الأسباب، يرجح كثير من المتابعين أن يكون الحضور الجماهيري المغربي في مدرجات مونديال 2026 أقل كثافة مما كان عليه في قطر، رغم الشعبية الكبيرة التي أصبح يحظى بها المنتخب الوطني بعد إنجازه التاريخي في النسخة الماضية.

ومع ذلك، لا يعني هذا غياب الجماهير المغربية عن البطولة. فوجود جالية مغربية مهمة في الولايات المتحدة وكندا من شأنه أن يساهم في توفير قاعدة دعم مهمة للمنتخب الوطني، تماما كما لعبت الجالية المغربية في أوروبا دورا بارزا خلال مونديال روسيا. لكن الفارق أن القسم الأكبر من الجماهير القادمة مباشرة من المغرب قد يجد نفسه أمام فاتورة مالية يصعب تحملها.

ولا يقتصر هذا التحدي على المغاربة وحدهم.

فحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، بدأت تظهر أصوات تتحدث عن ارتفاع كلفة حضور البطولة. وتشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن بعض المشجعين الذين اعتادوا السفر خلف منتخباتهم في نسخ سابقة يفكرون في الاكتفاء بمتابعة المباريات عبر الشاشات بسبب أسعار التذاكر والفنادق وتكاليف التنقل.

ويعكس ذلك تحولا أوسع تعرفه كرة القدم العالمية. فخلال العقود الأخيرة، تحولت اللعبة إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات من حقوق البث والرعاية والتسويق والسياحة الرياضية. ومع هذا التحول، ارتفعت قيمة التذاكر والخدمات المرتبطة بالأحداث الرياضية الكبرى، لتصبح تجربة الحضور المباشر أكثر تكلفة من أي وقت مضى.

وفي المقابل، لم ترتفع القدرة الشرائية للجماهير بالوتيرة نفسها، ما خلق فجوة متزايدة بين الشغف بكرة القدم والقدرة على عيشها من المدرجات.

ومن هنا يبرز السؤال الذي تطرحه نسخة 2026 بوضوح أكبر من أي وقت مضى: هل ما زال كأس العالم بطولة شعبية مفتوحة أمام مختلف الفئات الاجتماعية، أم أنه يتحول تدريجيا إلى حدث ترفيهي عالمي لا يستطيع تحمل تكاليفه سوى القادرين ماديا؟

بالنسبة للمشجع المغربي، تبدو الإجابة معقدة. فالحلم لا يزال قائما، والشغف بالمنتخب الوطني لم يكن يوما أكبر مما هو عليه اليوم، لكن الطريق إلى المدرجات أصبح أطول وأكثر تكلفة.

وبين حلم مشاهدة “أسود الأطلس” من قلب الحدث، وواقع الأسعار والتأشيرات والمسافات، قد يكتشف كثير من المشجعين أن التحدي الأكبر في مونديال 2026 ليس تشجيع المنتخب داخل الملعب، بل الوصول إلى الملعب أصلا.

spot_imgspot_img