لم تعد أسواق الطاقة تتحرك وفق منطق بسيط يقوم على فتح ممر بحري أو إغلاقه، ولا على إعلان اتفاق سياسي أو انهيار آخر. فالعالم الذي كان يرتجف فور سماع أخبار التوتر في الخليج أصبح اليوم أكثر تعقيدا؛ إذ تتداخل فيه حركة الناقلات، وتقديرات شركات التأمين، وحسابات المنتجين، ومخاطر الألغام، وتوقعات التضخم، مع التحولات الكبرى التي يعرفها نظام الطاقة العالمي.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، فإن عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق وقتا، رغم تراجع حدة التوتر بعد الاتفاق المرحلي بين الولايات المتحدة وإيران.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل نشرته وكالة أسوشيتد برس، أشار إلى أن إعادة فتح المضيق لا تعني عودة الإمدادات فورا، إذ ما تزال مئات السفن التجارية داخل الخليج، فيما قد تفضل شركات الشحن والتأمين انتظار مؤشرات أوضح على استقرار الأوضاع قبل العودة الكاملة إلى المسارات المعتادة.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ كان ينقل قبل الحرب نحو خمس تجارة النفط الخام العالمية. لذلك، فإن أي اضطراب في هذا الممر لا يهم دول الخليج وحدها، بل ينعكس على آسيا، وأوروبا، وأسعار النقل، والتضخم، وسلاسل الإنتاج، وحتى السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى.
هرمز يهدأ.. لماذا لا تعود أسواق النفط بسرعة إلى ما قبل الحرب؟
استئناف الحركة لا يشبه فتح صنبور يمكن أن يعود إلى تدفقه الطبيعي في لحظة واحدة. فوفق تحليل أسوشيتد برس، هناك نحو 500 سفينة تجارية ما تزال في الخليج، ولا يمكنها جميعا العبور دفعة واحدة عبر ممر ضيق ومعقد أمنيا. كما أن بعض السفن كانت تتحرك عبر مسارات بديلة أو بإشارات ملاحية محدودة، في ظل مخاوف من التهديدات الإيرانية ومن احتمال وجود مخاطر بحرية لم تتم معالجتها بالكامل.
لهذا، فإن كلمة “فتح المضيق” لا تكفي وحدها لطمأنة الأسواق. فالسفن تحتاج إلى تعليمات واضحة، وشركات التأمين تحتاج إلى تقدير جديد للمخاطر، والناقلات تحتاج إلى ضمانات ملاحية، والمنتجون يحتاجون إلى وقت لإعادة تشغيل الحقول التي خفضت إنتاجها بسبب نقص التخزين أو صعوبة التصدير.
وتنقل أسوشيتد برس عن محللين أن إزالة الألغام، في حال وجودها أو الاشتباه بها، قد تستغرق أشهرا. كما أن إعادة السفن إلى مساراتها الطبيعية، وخروج الناقلات العالقة ثم عودتها للتحميل، قد يتطلبان بدورهما أسابيع طويلة. أما إعادة بعض المنتجين إلى مستويات ما قبل الحرب فقد تستغرق أشهرا إضافية، خاصة في الدول التي شهدت توقفا واسعا في الإنتاج.
وهنا تكمن الفكرة المركزية: تحسن معنويات السوق لا يعني عودة الإمدادات الفعلية.
قد تنخفض أسعار النفط فور إعلان اتفاق سياسي، لأن المتعاملين يراهنون على تراجع الخطر. لكن الاقتصاد الحقيقي لا يعمل بالسرعة نفسها التي تتحرك بها شاشات التداول. فالنفط يحتاج إلى ناقلات، والناقلات تحتاج إلى تأمين، والتأمين يحتاج إلى ثقة، والثقة تحتاج إلى وقت.
كما أن هناك إشكالا قانونيا وسياسيا لم يحسم بالكامل. فقد أشارت أسوشيتد برس إلى أن إيران طالبت بحق تحصيل رسوم من السفن العابرة، بينما تحدثت واشنطن عن فتح مجاني للمضيق. وإذا استمرت هذه النقطة غامضة، فقد يجد مالكو السفن أنفسهم أمام معضلة قانونية، خاصة إذا كانت الجهات الإيرانية المكلفة بالتحصيل خاضعة لعقوبات أمريكية أو أوروبية.
هذا يعني أن الأزمة لا تنتهي فقط بتوقف إطلاق النار أو توقيع اتفاق. فهناك طبقة أخرى من التعقيد مرتبطة بالقانون الدولي، وحرية الملاحة، والعقوبات، وحسابات شركات الشحن والبنوك.
أما على مستوى الإنتاج، فالصورة أكثر تعقيدا. فبعض الدول الخليجية التي تملك خطوط تصدير بديلة، مثل السعودية والإمارات، قد تكون قادرة على العودة بسرعة أكبر إلى مستويات إنتاج قريبة من السابق. لكن دولا أخرى، مثل العراق، قد تواجه صعوبات أكبر بسبب توقفات أوسع وتعقيدات تقنية في بعض الحقول.
وتشير تقديرات نقلتها أسوشيتد برس إلى أن بعض التدفقات قد لا تستعيد سوى نحو 80 في المائة من مستويات ما قبل الحرب بحلول سبتمبر، إذا استمر الاتفاق وصمدت التهدئة. وهذا يعني أن الأسواق ستظل خلال الأشهر المقبلة في منطقة رمادية بين التفاؤل السياسي والواقع اللوجستي الصعب.
في المقابل، ترى وكالة الطاقة الدولية أن السوق النفطية قد تتجه خلال السنوات المقبلة إلى فائض في المعروض، إذا تواصل ارتفاع الإنتاج العالمي وتباطأ نمو الطلب. وهذه المفارقة تلخص المرحلة الجديدة التي دخلتها أسواق الطاقة: مخاطر جيوسياسية حادة على المدى القصير، واحتمال وفرة في الإمدادات على المدى المتوسط.
بمعنى آخر، العالم لا يعيش أزمة نفط تقليدية فقط، بل يعيش انتقالا في طبيعة الطاقة نفسها.
ففي القرن الماضي، كان السؤال الأكبر هو: من يملك النفط؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أوسع: من يملك القدرة على تأمين الطاقة بكل أشكالها؟ النفط، الغاز، الكهرباء، الطاقات المتجددة، البطاريات، المعادن النادرة، وشبكات الطاقة التي ستشغل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
ولذلك، فإن هرمز لم يعد مجرد مضيق تعبره ناقلات النفط، بل أصبح مرآة لتحول أوسع في الاقتصاد العالمي. فإذا تعطل، ارتفعت الأسعار وخافت الأسواق. وإذا فتح، لا تعود الأمور فورا إلى طبيعتها لأن سلاسل الطاقة أصبحت أكثر تشابكا، وأكثر ارتباطا بالثقة والتأمين والتمويل والتكنولوجيا.
كما أن انعكاس الأزمة على التضخم لن يختفي بسرعة. فحتى إذا بدأت أسعار النفط في التراجع، فإن أثر ارتفاع الطاقة على النقل والغذاء والصناعة لا يزول في أيام. وقد حذر اقتصاديون نقلت عنهم أسوشيتد برس من أن التضخم في الاقتصادات الكبرى قد يظل فوق المستويات المستهدفة خلال جزء من هذا العام والعام المقبل، خصوصا مع انتهاء إجراءات حكومية مؤقتة لدعم أسعار الوقود في بعض الدول.
وهذا يفسر لماذا تراقب البنوك المركزية تطورات هرمز بقدر ما تراقب بيانات الأسعار والفائدة. فكل اضطراب في الطاقة يمكن أن يعطل مسار خفض التضخم، ويؤخر قرارات خفض أسعار الفائدة، ويفرض ضغطا جديدا على الحكومات والمستهلكين.
ما وراء الخبر
الاتفاق المرتقب حول إيران وهرمز قد يكون خبرا جيدا للاقتصاد العالمي، لكنه لا يلغي حقيقة أعمق: أسواق الطاقة دخلت مرحلة لم تعد فيها الصدمة عسكرية فقط، ولا جغرافية فقط، بل لوجستية وقانونية ومالية أيضا.
فتح المضيق لا يعني أن السفن ستندفع فورا. وانخفاض السعر لا يعني أن التضخم انتهى. وتحسن المزاج في الأسواق لا يعني أن النفط عاد فعلا إلى المصافي.
ولهذا، فإن الدرس الأهم من أزمة هرمز ليس أن العالم ما يزال يعتمد على النفط فقط، بل أنه يعتمد على منظومة كاملة من الثقة: ثقة في الملاحة، وثقة في الاتفاقات، وثقة في شركات التأمين، وثقة في قدرة المنتجين على العودة، وثقة في أن الجغرافيا السياسية لن تنفجر من جديد.
في عالم الطاقة الجديد، لم يعد البرميل وحده هو القصة. القصة أصبحت في الطريق الذي يسلكه البرميل، وفي من يؤمنه، ومن يموله، ومن يحرسه، ومن يستطيع الاستغناء عنه تدريجيا.
وهنا بالضبط يبدأ التحول الكبير: من أمن النفط إلى أمن الطاقة، ومن مضيق هرمز إلى شبكة عالمية معقدة تجمع البحر والكهرباء والبيانات والذكاء الاصطناعي.


