المحروقات تشعل سجالا سياسيا بين الاستقلال والعدالة والتنمية

عاد ملف المحروقات إلى واجهة النقاش السياسي بالمغرب، بعدما تحول تصويت حزب الاستقلال ونقابته بمجلس المستشارين ضد مقترحي قانون يتعلقان بتسقيف أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة “سامير” لفائدة الدولة إلى محور مواجهة سياسية بين الحزب وحزب العدالة والتنمية، أعادت إلى الواجهة حصيلة أكثر من عقد من إصلاحات قطاع المحروقات.

وفي منشور توضيحي نشره على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، واطلعت عليه “المحيط”، أوضح حزب الاستقلال أن موقفه لا يعكس رفضا لحماية القدرة الشرائية، وإنما يقوم على التمييز بين تسقيف أسعار المحروقات نفسها وتسقيف هوامش أرباح الفاعلين في القطاع.

وأكد الحزب أن أسعار المحروقات ترتبط مباشرة بتقلبات الأسواق الدولية وأسعار النفط، وأن إخضاعها لتسقيف إداري قد ينعكس سلبا على توازنات المالية العمومية وعلى استقرار تموين السوق الوطنية بهذه المادة الحيوية.

وفي المقابل، دعا إلى اعتماد مقاربة تقوم على تسقيف هوامش الأرباح، باعتبارها حلا يحد من الأرباح المفرطة ويعزز المنافسة دون العودة إلى دعم الأسعار أو تحميل ميزانية الدولة أعباء إضافية.

كما جدد رفضه العودة إلى نظام المقاصة، معتبرا أن التجربة السابقة أظهرت أن الدعم كان يستفيد منه أصحاب الدخل المرتفع والفئات الأكثر استهلاكا أكثر من الفئات الهشة، وأن إعادة العمل بهذا النظام قد تؤثر على قدرة الدولة على تمويل ورش الحماية الاجتماعية وبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر.

واعتبر الحزب أن الانتقادات الموجهة إليه تدخل في سياق حملة ذات أبعاد انتخابية، متهما أطرافا سياسية بأنها تحاول توظيف ملف المحروقات للمزايدة، رغم أنها كانت مسؤولة عن قرار تحرير الأسعار عندما كان حزب الاستقلال في المعارضة.

ولم يتأخر رد حزب العدالة والتنمية، الذي رفض هذه الاتهامات، معتبرا أن حزب الاستقلال يلجأ إلى “الهروب إلى الأمام” و”الافتراء”، نافيا أي علاقة له بحملة الانتقادات. كما اعتبر أن المبررات التي يسوقها الاستقلال اليوم لرفض العودة إلى المقاصة هي نفسها التي استند إليها حزب العدالة والتنمية خلال قيادته للحكومة عند اتخاذ قرار إصلاح صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات.

غير أن هذا السجال يعيد طرح سؤال جوهري حول حصيلة تحرير سوق المحروقات بعد أكثر من عشر سنوات على إطلاقه. فقرار التحرير، الذي قادته حكومة العدالة والتنمية سنة 2015، ساهم في تخفيف العبء عن المالية العمومية، لكنه لم يواكب، بحسب عدد من المتابعين، بإصلاحات تنظيمية ورقابية بالقدر الكافي لضمان منافسة فعلية داخل السوق والحد من اختلالات التسعير وهوامش الأرباح.

وبينما يدافع العدالة والتنمية عن الإصلاح باعتباره قرارا استراتيجيا أنقذ ميزانية الدولة وفتح المجال أمام تمويل برامج اجتماعية كبرى، فإن استمرار الجدل حول أسعار المحروقات يكشف أن تحرير السوق لم يكن كافيا وحده، في ظل استمرار المطالب بتقوية آليات المنافسة والرقابة وحماية المستهلك من أي ممارسات قد تخل بتوازن السوق.

في المقابل، يسعى حزب الاستقلال إلى تقديم تصور مختلف يقوم على الإبقاء على مبدأ تحرير الأسعار، مقابل التدخل لتنظيم السوق من خلال تسقيف هوامش الأرباح بدل العودة إلى المقاصة أو فرض تسقيف إداري للأسعار.

غير أن هذا الطرح يضع الحزب بدوره أمام اختبار التنفيذ، باعتباره جزءا من الأغلبية الحكومية الحالية، التي ينتظر منها الرأي العام الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى اتخاذ إجراءات عملية تعزز المنافسة وتضمن شفافية السوق وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.

وبذلك، يبدو أن ملف المحروقات دخل مرحلة جديدة من التجاذب السياسي، عنوانها لم يعد الدفاع عن قرار التحرير أو معارضته، وإنما البحث عن النموذج القادر على التوفيق بين متطلبات اقتصاد السوق، وحماية المالية العمومية، وضمان أسعار أكثر عدالة في واحد من أكثر القطاعات تأثيرا على الحياة اليومية للمغاربة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img