يدخل الاتفاق الأمريكي الإيراني مرحلة الاختبار الفعلي، بعدما انتقل من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى التنفيذ الأولي، في ظل تداخل ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: البرنامج النووي الإيراني، مضيق هرمز، والجبهة اللبنانية التي ما تزال قادرة على نسف مسار التهدئة في أي لحظة.
وبحسب تقرير نشرته “بي بي سي”، وقعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم من 14 نقطة، تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي لمدة 60 يوما، تمهيدا لاتفاق نهائي أوسع، يتضمن إنهاء العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، ومعالجة ملف العقوبات، والبرنامج النووي الإيراني.
غير أن الاتفاق، رغم أهميته، لا يبدو معاهدة سلام نهائية بقدر ما هو إطار مؤقت لإدارة التصعيد. فكل بند تقريبا يحمل في داخله مساحة للتأويل والخلاف، خصوصا بين الروايتين الأمريكية والإيرانية بشأن التفتيش النووي، والأموال المجمدة، ومصير اليورانيوم المخصب.
أول مكسب واضح للاتفاق يتمثل في مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نسبة مهمة من تجارة النفط والغاز العالمية. فقد التزمت إيران، وفق الوثيقة، ببذل الجهود لإعادة فتح الممر أمام السفن التجارية دون رسوم، مقابل بدء الولايات المتحدة رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية تدريجيا.
وفي سياق متصل تشير معطيات أسوشيتد برس إلى أن المنظمة البحرية الدولية تعمل، بالتنسيق مع إيران وسلطنة عمان ودول المنطقة والولايات المتحدة، على خطة لإجلاء نحو 11 ألف بحار عالقين على متن سفن تعطلت حركتها بسبب إغلاق المضيق. كما بدأت حركة السفن ترتفع تدريجيا، رغم أنها لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل الحرب.
اقتصاديا، يمنح الاتفاق طهران متنفسا مهما. فتعليق العقوبات النفطية لمدة 60 يوما يسمح لإيران بتسويق جزء من نفطها المخزن، ويمنحها فرصة للعودة الجزئية إلى الأسواق، خاصة في اتجاه الصين، التي تظل أحد أبرز المشترين المحتملين للنفط الإيراني.
لكن هذا الانفراج مشروط. فالبيت الأبيض يقدم الاتفاق باعتباره “مرتبطا بالأداء”، أي أن إيران لن تحصل على المكاسب الاقتصادية كاملة إلا إذا التزمت بما تعتبره واشنطن جوهر الاتفاق: منع امتلاك سلاح نووي، والتعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، والقبول بآليات مراقبة دولية.
هنا تظهر العقدة الكبرى. تؤكد واشنطن أن إيران وافقت على أعلى مستويات التفتيش النووي، بينما تنفي طهران وجود جدول واضح لعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع التي تعرضت للقصف. وهذا التباين لا يعكس فقط خلافا تقنيا، بل صراعا على رواية الاتفاق أمام الرأي العام الداخلي في البلدين.
فالولايات المتحدة تريد تقديم الاتفاق كنجاح استراتيجي فرض قيودا صارمة على البرنامج النووي الإيراني، بينما تحرص طهران على إظهار أنها لم تقدم تنازلا يمس سيادتها النووية أو برنامجها الصاروخي. وقد أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال زيارته إلى باكستان، أن قدرات بلاده الصاروخية ليست موضوعا للتفاوض.
أما ملف الأموال المجمدة، فيكشف بدوره حدود الثقة بين الطرفين. فإيران تتحدث عن الإفراج عن 12 مليار دولار من أصولها المجمدة، بينما تتحفظ واشنطن على الرقم وتؤكد أن أي أموال محررة ستخضع لاستخدامات محددة، بينها شراء الغذاء والدواء أو المنتجات الزراعية الأمريكية. وفي المقابل، ترفض طهران منطق الوصاية على أموالها وتتمسك بحقها في استخدامها وفق أولوياتها.
الجبهة اللبنانية تمثل بدورها الاختبار الأخطر للاتفاق. فالنص يتحدث عن إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، غير أن إسرائيل ليست طرفا مباشرا في الاتفاق، وتؤكد احتفاظها بحرية التحرك ضد حزب الله. وهذا يعني أن أي ضربة إسرائيلية كبيرة في لبنان قد تدفع إيران إلى اعتبار الاتفاق منتهكا.
وتزيد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من هشاشة المسار، إذ أكد أن الجيش الإسرائيلي سيحتفظ بحرية العمل في لبنان لمنع أي تهديد. وفي المقابل، تشترط إيران أن يكون وقف القتال في لبنان جزءا من أي تسوية شاملة، ما يجعل الاتفاق الأمريكي الإيراني رهينا بعامل ثالث لا يخضع كليا لإرادة واشنطن أو طهران.
من زاوية ترامب، يحقق الاتفاق عدة أهداف في وقت واحد: تهدئة أسواق النفط، تخفيف الضغط الداخلي المرتبط بأسعار الطاقة، تقديم إنجاز دبلوماسي كبير، وفتح الباب أمام مكاسب اقتصادية أمريكية محتملة إذا ارتبط الإفراج عن الأموال الإيرانية بشراء منتجات أمريكية.
أما إيران، فتسعى إلى تحويل صمودها العسكري وقدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى مكاسب اقتصادية وسياسية، دون الظهور بمظهر الطرف الذي تنازل تحت الضغط. لذلك تبدو طهران حريصة على كسب الوقت، وتثبيت رفع جزئي للعقوبات، مع إبقاء الملفات الأكثر حساسية معلقة.
السيناريو الأول هو نجاح الاتفاق الجزئي، عبر تمديد التهدئة وتثبيت فتح مضيق هرمز وتأجيل الحسم في الملف النووي إلى مفاوضات طويلة. وهذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية على المدى القصير.
السيناريو الثاني هو اتفاق شامل، يربط رفع العقوبات بضمانات نووية صارمة وآليات مراقبة دولية، مع تفاهم إقليمي حول لبنان والملاحة في الخليج. لكنه يحتاج إلى تنازلات صعبة من جميع الأطراف.
أما السيناريو الثالث فهو انهيار المسار، سواء بسبب الخلاف حول التفتيش النووي، أو رفض إسرائيل الانضباط لمقتضيات التهدئة في لبنان، أو شعور إيران بأن واشنطن تستخدم التعليق المؤقت للعقوبات دون تقديم ضمانات حقيقية.
في المحصلة، لا يعلن الاتفاق الأمريكي الإيراني نهاية الأزمة، لكنه يفتح نافذة سياسية نادرة في لحظة شديدة التوتر. نجاحه لن يقاس بتوقيع الوثيقة فقط، بل بقدرة الأطراف على تحويل الهدنة من أداة لالتقاط الأنفاس إلى مسار تفاوضي مستقر.
فالشرق الأوسط يقف أمام اختبار دقيق: إما أن يتحول الاتفاق إلى بداية إعادة ترتيب كبرى للتوازنات الإقليمية، أو أن يصبح مجرد هدنة قصيرة بين جولتين جديدتين من التصعيد.


