هل تستنسخ القاعدة النموذج السوري في مالي؟ خبراء يقرأون ملامح التحول الجديد

بعد سنوات من ترسيخ نفوذها عبر العمليات المسلحة، تبدو جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، المرتبطة بتنظيم القاعدة، بصدد اختبار مقاربة جديدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها بوسط مالي.

فإلى جانب استمرار نشاطها العسكري ضد الجيش المالي، بدأت الجماعة تعتمد أسلوبا يقوم على تقديم الخدمات للسكان، وإدارة النزاعات المحلية، وتخفيف بعض القيود الاجتماعية، في محاولة لبناء نفوذ أكثر استدامة داخل المجتمعات الريفية.

هذا التحول رصدته وكالة رويترز في تحقيق ميداني استند إلى شهادات سكان ووجهاء محليين، أشاروا إلى أن اجتماعات عناصر الجماعة لم تعد تقتصر على تحصيل الضرائب المفروضة على المحاصيل والماشية، بل أصبحت تشمل توزيع مساعدات غذائية وأدوية ومواشي على الأسر الفقيرة، إلى جانب التدخل في حل الخلافات بين المزارعين والرعاة، مع اعتماد خطاب أقل حدة مقارنة بالسنوات الماضية.

ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة تنفيذ هجمات واسعة ضد الجيش المالي، رغم تغير أسلوب إدارتها للمناطق التي تسيطر عليها، ما دفع مراقبين إلى التساؤل حول ما إذا كانت القاعدة في مالي تعيد رسم استراتيجيتها، بالانتقال من الاكتفاء بالسيطرة العسكرية إلى بناء سلطة أمر واقع تمهد لفرض نفسها طرفا في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.

في هذا السياق، يرى الخبير في شؤون الساحل والصحراء عبد الفتاح الفاتحي أن ما يجري لا يمثل تغيرا في أهداف الجماعة بقدر ما يعكس تطورا في أدواتها.

ويوضح الفاتحي، في تصريح لصحيفة “المحيط”، أن التنظيمات المرتبطة بالقاعدة عملت خلال السنوات الماضية على إضعاف هيبة الدولة المالية عبر استهداف مؤسساتها الأمنية وإظهار عجزها عن توفير الأمن والاستقرار، وهو ما أتاح لها بناء تحالفات مع شبكات الجريمة المنظمة وتوسيع نفوذها في شمال ووسط البلاد.

ويضيف أن اتساع رقعة السيطرة فرض على الجماعة تحديات جديدة تتعلق بإدارة السكان والمحافظة على الاستقرار داخل المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما يفسر انتقالها تدريجيا إلى بناء هياكل حكم محلية، يمكن أن تشكل مستقبلا قاعدة للتفاوض مع المجتمع الدولي أو لفرض واقع سياسي جديد في المنطقة.

وبحسب الفاتحي، تتحرك الجماعة وفق مستويين متوازيين؛ الأول براغماتي يتمثل في إنشاء مؤسسات محلية بديلة عن سلطة باماكو، بما يسمح لها بإظهار قدرتها على إدارة شؤون السكان، والثاني أيديولوجي يقوم على مشروع إقامة كيان إسلامي في منطقة الساحل، معتبرا أن الرهان الأول يبدو أكثر واقعية في ظل تعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.

ويحذر الفاتحي من أن استمرار الضغوط على المجلس العسكري الحاكم، في غياب مبادرة سياسية أو دولية، قد يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة لتقديم نفسها بديلا عن السلطة القائمة، خصوصا إذا نجحت في ترسيخ صورة الفاعل القادر على توفير الأمن وإدارة الخدمات الأساسية.

من جانبه، يرى الخبير في الشؤون المغاربية والساحل أبوبكر الأنصاري أن جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تحاول بالفعل الاستفادة من التجربة السورية، مشيرا إلى أن عددا من النشطاء بدأوا يروجون لزعيمها إياد أغ غالي باعتباره شخصية يمكن أن تؤدي دورا مشابها لما قام به أحمد الشرع في سوريا.

إلا أن الأنصاري يؤكد أن المقارنة بين الحالتين تظل محدودة، لأن البيئة الجيوسياسية مختلفة بصورة جوهرية.

 ففي سوريا كانت القوى الدولية والإقليمية منقسمة بين داعمين للنظام وآخرين للمعارضة، بينما تحظى السلطة العسكرية في مالي بدعم كل من روسيا وتركيا، وهو ما يجعل أي انتقال سياسي تقوده الجماعة أكثر تعقيدا.

ويشير الأنصاري في حديث مع المحيط، إلى أن المعارضة السورية راكمت تجربة في إدارة المناطق التي سيطرت عليها وتقديم خدمات مدنية للسكان قبل وصولها إلى السلطة، بينما ركزت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” طوال سنوات على العمل العسكري، قبل أن تبدأ أخيرا في مراجعة بعض أساليبها والسعي إلى التقرب من المجتمعات المحلية.

ويخلص الأنصاري إلى أن تحول الجماعة إلى فاعل سياسي لن يتوقف على أدائها الميداني فقط، بل سيظل رهينا بتوافقات إقليمية ودولية، لأن مستقبل مالي ومنطقة الساحل تحدده توازنات القوى والمصالح الدولية بقدر ما تحدده الوقائع العسكرية على الأرض.

وبينما تواصل الحكومة المالية رفض أي حوار مع الجماعة وتؤكد استمرار العمليات العسكرية بدعم روسي، فإن التحولات التي رصدتها رويترز، إلى جانب قراءات الخبراء، تشير إلى أن الصراع في مالي لم يعد يدور حول السيطرة على الأرض فقط، بل حول من يمتلك القدرة على إدارة السكان وبناء شرعية محلية. وهو تحول قد يعيد تشكيل طبيعة الصراع في منطقة الساحل خلال السنوات المقبلة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img