المغرب يعيد رسم خريطة تجارة القمح بين أوروبا والبحر الأسود

بعد سنوات فرضت فيها موجات الجفاف على المغرب الاعتماد بشكل كبير على واردات القمح، بدأت المملكة تستعيد تدريجيا مكانتها كمنتج، في تحول لا يقتصر أثره على السوق المحلية، بل يمتد إلى موازين تجارة الحبوب في حوض البحر الأبيض المتوسط. فمع تحسن المحصول الوطني خلال الموسم الفلاحي الحالي، وجدت الأسواق الأوروبية نفسها أمام احتمال فقدان أحد أكبر زبائنها، في وقت تواجه فيه منافسة متزايدة من روسيا وأوكرانيا، ما ينذر بإعادة رسم خريطة صادرات القمح في المنطقة.

وبحسب تحليل أجرته وكالة رويترز استنادا إلى تقديرات متعاملين ومحللين في سوق الحبوب، يتوقع أن تنخفض واردات المغرب من القمح بنحو النصف خلال موسم 2026-2027، الذي ينطلق في يوليوز، بعد الانتعاش الكبير الذي عرفه الإنتاج المحلي. ويشكل هذا التحول تحديا مباشرا لمصدري الاتحاد الأوروبي، الذين أصبحوا يعتمدون خلال سنوات الجفاف على السوق المغربية باعتبارها أكبر وجهة منفردة لصادراتهم من القمح.

ويأتي هذا التحول بعد سنوات من الجفاف الحاد جعلت المغرب أكثر اعتمادا على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاته من الحبوب، وهو ما رفع وارداته إلى مستويات جعلته لاعبا أساسيا في حسابات المصدرين الأوروبيين. أما اليوم، فإن تحسن الموسم الفلاحي يعيد التوازن تدريجيا بين الإنتاج المحلي والواردات، ويخفف الضغط على الميزانية العمومية المرتبط باستيراد الحبوب.

وتعكس الأرقام الرسمية هذا التحسن. فقد أعلن وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري أن الإنتاج المتوقع من الحبوب خلال الموسم الحالي سيبلغ نحو 90 مليون قنطار، موزعة بين 44 مليون قنطار من القمح الطري، و21 مليون قنطار من القمح الصلب، و25 مليون قنطار من الشعير، بعدما ارتفعت التساقطات المطرية إلى 571 مليمترا، أي بزيادة 94 في المائة مقارنة بالموسم الماضي.

كما شرعت الحكومة في إعطاء الأولوية لتسويق الإنتاج الوطني، عبر تعليق استيراد القمح اللين خلال شهري يونيو ويوليوز، مع اعتماد سعر مرجعي لتسويق القمح المحلي وتوقيع اتفاق مع المهنيين لجمع ما بين 15 و20 مليون قنطار، إضافة إلى استحداث منحة لتشجيع التخزين بهدف تكوين مخزون استراتيجي يبلغ 8 ملايين قنطار، بما يسمح برفع قدرة تغطية الاحتياجات الوطنية من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر.

ولا يقتصر أثر هذا التحول على المغرب وحده، بل يمتد إلى أوروبا، حيث تبدو فرنسا من أكثر المتضررين. فمنذ سنوات تواجه باريس صعوبات في ولوج السوق الجزائرية بسبب التوترات السياسية، كما تراجع الطلب الصيني على القمح الفرنسي، في حين تجاوزتها رومانيا لتصبح أكبر مصدر للقمح داخل الاتحاد الأوروبي خلال العامين الماضيين. ونتيجة لذلك، أصبح السوق المغربي يمثل منفذا أساسيا للحبوب الأوروبية، وهو ما يجعل تراجع الطلب المغربي يترك فراغا يصعب تعويضه.

وفي الوقت نفسه، تزداد المنافسة الدولية شراسة مع دخول روسيا وأوكرانيا الموسم الجديد بمحاصيل وفيرة تسمح لهما بعرض القمح بأسعار أكثر تنافسية في أسواق شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بينما تتجه دول مستوردة مثل تركيا وسوريا إلى رفع إنتاجها المحلي، ما يقلص بدوره حجم الطلب العالمي على القمح الأوروبي.

ويرى محللون أن الاتحاد الأوروبي سيضطر خلال الأشهر المقبلة إلى إعادة توجيه جزء من صادراته نحو أسواق غرب إفريقيا، غير أن هذه الأسواق قد لا تكون كافية لتعويض الانكماش المتوقع في الطلب المغربي، خاصة في ظل استمرار الضغوط السعرية القادمة من منطقة البحر الأسود.

وقال دوناتاس يانكاوسكاس، محلل الحبوب في شركة CM Navigator، إن الموسم المقبل لن يكون سهلا بالنسبة لمصدري الاتحاد الأوروبي إذا استمرت أسعار قمح البحر الأسود في الحفاظ على تنافسيتها، بالتزامن مع تحسن الإنتاج المحلي في عدد من الدول المستوردة.

ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن المغرب لا يزال يواجه تحديات داخلية مرتبطة بجودة جزء من الإنتاج، خاصة نسبة البروتين في بعض أصناف القمح، إلى جانب إكراهات التجميع والتخزين وتفاوت وتيرة الحصاد بين الجهات. غير أن الحكومة تراهن على تطوير البنية التحتية للتخزين، وتوسيع المكننة الفلاحية، وتشجيع الزرع المباشر والري التكميلي، بما يعزز استدامة الإنتاج ويقلل من تقلباته مستقبلا.

ويكشف هذا المشهد أن القمح لم يعد مجرد سلعة زراعية، بل أصبح ورقة مؤثرة في التوازنات الاقتصادية والإستراتيجية. فكلما ارتفع الإنتاج المحلي المغربي، تراجعت فاتورة الواردات، وتعزز الأمن الغذائي، وازدادت قدرة المملكة على التفاوض في الأسواق الدولية، بينما تجد الدول المصدرة نفسها مضطرة للبحث عن منافذ جديدة لتصريف إنتاجها.

وفي المحصلة، لا يمثل تعافي المحصول المغربي مجرد موسم فلاحي جيد، بل يعكس تحولا أعمق في موقع المملكة داخل سوق الحبوب العالمية. فبعد سنوات كانت فيها الأسواق الدولية تحدد خيارات المغرب، بدأت المملكة، بفضل تحسن إنتاجها واستراتيجيتها الرامية إلى تعزيز المخزون والسيادة الغذائية، تؤثر بدورها في حسابات كبار مصدري القمح، وهو تحول قد يعيد رسم جزء من خريطة تجارة الحبوب في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img