يعتقد كثيرون أن الدماغ يتوقف عن التطور بمجرد بلوغ سن الرشد، وأن تراجع الذاكرة والتركيز مع التقدم في العمر أمر لا مفر منه. غير أن الأبحاث الحديثة في علوم الأعصاب تقدم صورة مختلفة تماما؛ فالدماغ عضو ديناميكي قادر على إعادة بناء نفسه باستمرار، ويتأثر بشكل مباشر بالعادات اليومية التي نتبعها.
ويؤكد الدكتور ماجد فتوحي، المتخصص في طب الذاكرة والشيخوخة الصحية بجامعة جونز هوبكنز، أن الدماغ لا يكبر أو يصغر بسبب العمر وحده، بل نتيجة ما يفعله الإنسان كل يوم. وبعد أكثر من ثلاثة عقود من البحث والممارسة السريرية، يرى أن نمط الحياة هو العامل الأكثر تأثيرا في الحفاظ على القدرات المعرفية حتى مراحل متقدمة من العمر.
ويركز فتوحي على منطقتين أساسيتين داخل الدماغ، هما الحصين المسؤول عن الذاكرة والتعلم، والقشرة الدماغية المرتبطة بالتفكير واتخاذ القرار والتركيز. ويشير إلى أن العادات غير الصحية، مثل الخمول وسوء التغذية والتوتر المزمن، تؤدي إلى انكماش هاتين المنطقتين، بينما تساعد العادات الصحية على الحفاظ عليهما وتحفيز نموهما.
الرياضة.. أفضل استثمار لصحة الدماغ
لا تقتصر فوائد النشاط البدني على تحسين اللياقة أو حماية القلب، بل تمتد إلى الدماغ نفسه. فمع ممارسة التمارين الرياضية، تبدأ عملية تعرف علميا باسم تكوين الخلايا العصبية، حيث ينتج الدماغ خلايا جديدة، خاصة داخل الحصين المسؤول عن تكوين الذكريات.
ويؤكد فتوحي أن ممارسة برنامج رياضي منتظم لمدة 12 أسبوعا فقط قد تكون كافية لإحداث تغيرات ملموسة في بنية الدماغ ووظائفه، بما في ذلك تحسين الذاكرة وسرعة معالجة المعلومات، وهي نتائج أظهرتها دراسات استخدمت تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي.
النوم.. ورشة الصيانة الليلية
خلافا للاعتقاد السائد، لا يتوقف الدماغ عن العمل أثناء النوم، بل يبدأ واحدة من أهم عملياته اليومية، وهي التخلص من الفضلات والمواد الضارة التي تتراكم خلال ساعات اليقظة.
ويشير الخبير إلى أن النوم العميق يساهم في إزالة بروتين الأميلويد، الذي يرتبط تراكمه بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر. أما الأشخاص الذين ينامون أقل من ست ساعات يوميا، فقد لا يحصل دماغهم على الوقت الكافي لإتمام هذه العملية، ما يزيد من فرص الالتهابات وتراجع كفاءة الذاكرة مع مرور الوقت.
الغذاء الصحي يغذي العقل أيضا
يرى فتوحي أن الطعام ليس مجرد مصدر للطاقة، بل أداة لحماية الدماغ. فالإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة والسكريات والدهون المتحولة يرفع مستويات الالتهاب داخل الجسم، وهو ما ينعكس سلبا على وظائف الدماغ.
في المقابل، تساهم الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، إلى جانب شرب كميات كافية من الماء، في تقليل الالتهابات وتحسين الدورة الدموية، مما يوفر بيئة أفضل لعمل الخلايا العصبية. ويختصر هذه الفكرة بقوله: “ما يفيد القلب يفيد الدماغ أيضا”.
التوتر المزمن يرهق الذاكرة
لا يقتصر تأثير الضغوط النفسية على الحالة المزاجية، بل يمتد إلى الدماغ نفسه. فارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول لفترات طويلة قد يؤدي إلى تقلص الحصين، وهو ما ينعكس على الذاكرة والتركيز والقدرة على التعلم.
ويشدد فتوحي على أن التعامل مع الضغوط لا يعني تجاهلها، وإنما تغيير طريقة التفكير فيها. فتبني نظرة أكثر هدوءا وواقعية، إلى جانب تقنيات الاسترخاء والتأمل والتنفس العميق، يساعد على تقليل تأثير التوتر وتحسين جودة النوم، وهو ما ينعكس إيجابا على صحة الدماغ.
التعلم المستمر يبقي الدماغ شابا
يشبه فتوحي الدماغ بالعضلة؛ فكلما استخدمه الإنسان ازداد قوة، وكلما أهمله فقد جزءا من كفاءته. ويستند هذا المفهوم إلى ما يعرف بـالمرونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية طوال الحياة.
ولذلك، فإن تعلم لغة جديدة، أو اكتساب مهارة مختلفة، أو حل الألغاز، أو تعلم العزف على آلة موسيقية، كلها أنشطة تحفز الدماغ على بناء مسارات عصبية جديدة. وحتى ارتكاب الأخطاء أثناء التعلم يعد جزءا طبيعيا من عملية إعادة تشكيل الدماغ وتحسين كفاءته.
الشيخوخة ليست نهاية القدرات الذهنية
تكشف نتائج الأبحاث الحديثة أن الحفاظ على القدرات العقلية لا يعتمد على الحظ أو العوامل الوراثية وحدها، بل يرتبط إلى حد كبير بالخيارات اليومية التي يتخذها الإنسان.
فالرياضة المنتظمة، والنوم الكافي، والتغذية الصحية، وإدارة التوتر، والاستمرار في التعلم، تشكل منظومة متكاملة تساعد على الحفاظ على الدماغ نشطا وقادرا على أداء وظائفه لسنوات أطول.
وتحمل هذه النتائج رسالة مطمئنة؛ فالتغيرات الإيجابية لا تحتاج إلى سنوات حتى تظهر، بل قد يبدأ الدماغ في الاستجابة خلال أسابيع قليلة من تبني عادات صحية جديدة، ما يجعل الاستثمار في صحة العقل قرارا يوميا يمكن أن ينعكس على جودة الحياة في الحاضر والمستقبل.


