بينما كانت القاذفات الأمريكية تستهدف المنشآت الإيرانية، كانت معركة أخرى تُدار بعيدًا عن ساحات القتال. ففي أروقة البنتاغون، بدأت الولايات المتحدة بناء وحدة جديدة لا تعتمد على الصواريخ والدبابات، بل على الاقتصاد ورأس المال وسلاسل التوريد. إنها “وحدة الدفاع الاقتصادي“، التي قد تعكس بداية تحول في العقيدة الأمريكية من الحروب العسكرية إلى الحروب الجيو-اقتصادية.
قبل قرار الحرب على إيران بثلاثة أشهر، وردت فكرة وحدة الدفاع الاقتصادي بشكل موجز في مذكرة لوزير الدفاع، بيت هيغسيث. قبل أن يتم اعتماد مخصصات مالية في ميزانية 2026 من أجل تمويل إنشاء هذه الوحدة، ثم فيما بعد خُصصت ميزانية 2027 غلافًا ماليًا تعدى 593 مليون دولار لتمويل تكلفة اشتغال البحث وتطوير أعمال هذه الوحدة، التي تدمج الدفاع والاقتصادي في المقاربة العسكرية الجديدة لإدارة ترامب، حيث الاقتصاد، في الرؤية الأمريكية الحديثة، لم يعد مجرد رافعة لتمويل القوة العسكرية، بل أصبح أحد ميادين الصراع الإستراتيجي، وأداة مباشرة لتحقيق التفوق الجيوسياسي.
الإكراه الاقتصادي الذي يهدد استمرار التفوق الأمريكي
يجسد الإعلان الرسمي عن إنشاء وحدة الدفاع الاقتصادي (EDU) في أبريل الماضي داخل وزارة الدفاع الأمريكية تحولًا لافتًا في طريقة إدراك واشنطن لطبيعة المنافسة الدولية في تزايد النفوذ الصيني خاصة.
فوفقًا للمذكرة الصادرة عن نائب وزير الدفاع الأمريكي، ستيف فاينبرغ، ستتولى الوحدة الجديدة دمج أدوات القوة الاقتصادية في التخطيط والعمليات العسكرية، من خلال توظيف رأس المال، والمشتريات، والسياسات التجارية، والتعريفات الجمركية، وضوابط التصدير، والأدوات التنظيمية والمالية، لخدمة أهداف الأمن القومي الأمريكي.
وتُعرّف الوثيقة “المنافسة الاقتصادية” باعتبارها استخدامًا منسقًا لهذه الأدوات لردع الخصوم، وتعطيل قدراتهم، وتقويض نفوذهم عبر الوسائل الاقتصادية، من خلال ضمان الوصول إلى المناطق الحيوية، ومواجهة عمليات التعبئة العسكرية والاقتصادية للخصوم، مع ضمان وصول أمريكا إلى المواد الإستراتيجية والحرجة، كأهداف للتخلص من الإكراه الاقتصادي الذي يمارسه الخصوم، ويعيق السيطرة العسكرية لأمريكا.
ويكشف هذا التوجه، الذي تتبناه الإدارة الأمريكية، عن انتقال واضح من مفهوم تقليدي كان ينظر إلى الاقتصاد باعتباره داعمًا للمؤسسة العسكرية، إلى تصور جديد يجعل الاقتصاد نفسه جزءًا من منظومة الردع والدفاع.
فوحدة الدفاع الاقتصادي الجديدة لا تقتصر مهامها على تقديم المشورة، أو تحسين سياسات التعاقد، بل ستسهم في تطوير سيناريوهات للمنافسة الاقتصادية، وضمان وصول الولايات المتحدة إلى المواد الإستراتيجية والقدرات الصناعية الحيوية، مع تعزيز التنسيق بين وزارة الدفاع والقطاعين المالي والتكنولوجي، من أجل السيطرة على سوق الكابلات، واستخراج المعادن الحرجة وتكريرها، وسوق الطاقة، والخدمات اللوجستية الاستراتيجية.
تصور ينبني على أن الاقتصاد أصبح ساحة للعمليات العسكرية، ولهزيمة المنافسين، لا بد أن يتحول الجيش ليصبح أحد أدوات إدارة الاقتصاد الاستراتيجي لأمريكا.
الهزيمة العسكرية للمنافسين تبدأ بالانتصارات الاقتصادية لأمريكا
يأتي هذا التحول في المقاربة الأمريكية لمواجهة المنافسين في سياق تنافس دولي يتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية، حيث أصبحت التكنولوجيا الرقمية، والمعادن الحرجة، والتكنولوجيا المتقدمة، ورؤوس الأموال، والبنية التحتية، عناصر مؤثرة في موازين القوة العالمية.
ومن هذا المنظور، تبدو وحدة الدفاع الاقتصادي محاولة مؤسسية لإدماج البعد الاقتصادي في صلب التخطيط الدفاعي، بما ينسجم مع إدراك متزايد بأن التفوق العسكري يرتبط أيضًا بالقدرة على حماية الموارد الإستراتيجية، وتعزيز التنافسية الاقتصادية.
ورغم أن الوثيقة لا تشير إلى دولة بعينها، فإن إنشاء هذه الوحدة يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن المنافسة الدولية لم تعد تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل تمتد إلى الأسواق العالمية، والابتكار، والاستثمار، وشبكات التمويل. حيث استطاعت الصين أن تجبر الولايات المتحدة الأمريكية على التفكير في إعادة صياغة تركيب وبنية وحداتها العسكرية من أجل مواجهتها في مجالات متعددة.
الصين، بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، دولة لا تصدر نموذجها الثوري العقائدي كما هي إيران، أو بنموذجها العسكري المعادي تاريخيًا للعقيدة العسكرية الأمريكية كما هو الحال بالنسبة لروسيا.
وإنما، لمواجهة الصين، كان لابد للولايات المتحدة الأمريكية أن توحد مجهودات العديد من القطاعات الداخلية، لأنها لا تواجه الصين في حدودها الجغرافية، وإنما تواجهها في العديد من مناطق العالم، من خلال مصانع الرقائق الإلكترونية، وشبكات الجيل الخامس، وتسابقها في السيطرة على مصادر المعادن النادرة، وفي الكابلات البحرية الناقلة للتكنولوجيا الحديثة، وفي الموانئ الإستراتيجية، في كل مناطق العالم، وفي إفريقيا خاصة. لذا، وجب تجفيف منابع قوة الاقتصاد الصيني، خاصة في مجال الطاقة، وإن اقتضى الأمر التدخل، خرقًا لكل مبادئ القانون الدولي، كما حصل في فنزويلا وإيران، عسكريًا. وفي مناطق أخرى، بلغة التهديد التي تتكلمها أمريكا جيدًا على لسان الرئيس الحالي دونالد ترامب.
وحدة الدفاع الاقتصادي في التوجه الأمريكي الجديد يتجاوز كونها مجرد هيكلة إدارية جديدة داخل البنتاغون، إلى تحول في مقاربة التفكير الإستراتيجي الأمريكي، حيث تتقاطع القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية في إطار مقاربة تسعى إلى توظيف جميع أدوات الدولة الأمريكية الداخلية والخارجية لتعزيز القدرة التنافسية للولايات المتحدة في بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي.
وإذا استمر هذا المسار، فقد يصبح الاقتصاد، إلى جانب القوات المسلحة، أحد أعمدة العقيدة الدفاعية الأمريكية في السنوات المقبلة.
أجنحة اقتصادية جديدة لصقور ترامب في مواجهة الصين
بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، توجهت أمريكا نحو إعادة تشكيل مفهوم الأمن القومي، عبر منح البعد الاقتصادي مكانة متقدمة إلى جانب الأدوات العسكرية التقليدية. ويجسد هذا التحول صعود جيل جديد من “صقور ترامب” الذين يرون أن المنافسة مع الصين لن تُحسم في ساحات القتال، بقدر ما ستُحسم في ميادين الاقتصاد والتكنولوجيا والسيطرة على مناطق المعادن الحرجة.
وتبدأ حكاية الجيل الجديد من صقور الاقتصاد في أمريكا مع تعيين دونالد ترامب مايك والتز مستشارًا للأمن القومي، وهو النائب السابق عن ولاية فلوريدا، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الصين وبدعوته إلى استعادة القوة الأمريكية وإعادة ترسيخ الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي.
وينطلق هذا التيار من قناعة بأن الولايات المتحدة فقدت، خلال السنوات الماضية، جزءًا مهمًا من قدرتها على تشكيل وضبط التوازنات الإقليمية والدولية، في وقت نجحت فيه قوى منافسة، وفي مقدمتها الصين وروسيا وإيران مع دول أخرى من خلال تكتل “بريكس”، في توسيع هامش نفوذها الاقتصادي والسياسي.
يطرح صقور ترامب سؤالًا استراتيجيًا: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تنسحب من الحروب الطويلة والمكلفة، من دون أن تفقد قدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية والحفاظ على نفوذها العالمي؟
ويبدو أن الإجابة التي يقدمها هذا الجيل الجديد تختلف عن الدبلوماسية الأمريكية التقليدية، التي اعتمدت لعقود على التفوق العسكري، والمساعدات والإعانات الخارجية، والتدخل المباشر في بؤر الأزمات لمنع صعود القوى المنافسة.
فالمقاربة الجديدة تدعو إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر، مقابل توظيف أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة والتجارة كساحات رئيسية للصراع الجيوسياسي.
وحدة للدفاع الاقتصادي، تعتبر أبرز معالم العقيدة الجديدة. فهذه الوحدة تعكس تصورًا لأمريكا أقل انخراطًا في الحروب العسكرية الطويلة، لكنها أكثر استعدادًا لخوض حروب ممتدة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والابتكار، بهدف احتواء الصعود الصيني والحفاظ على التفوق الأمريكي في النظام الدولي.
سعيد بركنان


