لم تعد أزمة الصحافة المغربية تختزل في تراجع مداخيل المقاولات الإعلامية أو هشاشة أوضاع الصحافيين الاجتماعية، بل أصبحت تمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن للمهنة أن تحافظ على دورها في إنتاج المعرفة وخدمة الديمقراطية في زمن تعيد فيه المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي رسم قواعد صناعة الأخبار؟
هذا السؤال كان محور النقاش خلال المؤتمر الوطني التشاوري للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، المنعقد تحت شعار “من أجل صحافة مهنية مستقلة وحقوق متجددة في العصر الرقمي“، حيث التقت ثلاث مقاربات مختلفة لكنها متكاملة؛ مقاربة نقابية قدمها رئيس النقابة عبد الكبير أخشيشن، ورؤية قانونية وفكرية طرحها الوزير الأسبق محمد الإدريسي العلمي المشيشي، وقراءة مهنية استشرافية قدمها الصحافي والخبير في الإعلام والتواصل الرقمي نور الدين البيار. وبين هذه المداخلات برز إدراك مشترك بأن مستقبل الصحافة لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل قدرة المهنيين والمؤسسات على مواكبة التحول الذي يشهده العالم.
من تشخيص الأزمة إلى بناء رؤية جديدة
في افتتاح المؤتمر، لم يتحدث رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية عبد الكبير أخشيشن عن أزمة ظرفية أو مطلب فئوي، بل رسم ملامح مرحلة جديدة تعتبر فيها النقابة أن الدفاع عن المهنة أصبح يتجاوز تحسين الأجور أو حماية الحقوق الاجتماعية، ليشمل الاستعداد لتحولات رقمية متسارعة تغير طبيعة العمل الصحفي نفسه.
وأكد أن الصحافة المغربية تعيش لحظة دقيقة تتداخل فيها تحديات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي مع الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية، داعياً إلى تجديد الفعل النقابي بما يحفظ كرامة الصحافي واستقلالية المهنة ويعزز دور الإعلام في خدمة المجتمع والديمقراطية.
ورأى أخشيشن أن النقابة مطالبة اليوم بالانتقال من تشخيص الأزمة إلى صياغة رؤية عملية، ترتكز على خمسة محاور رئيسية تشمل تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية، وتأهيل الصحافيين لمواكبة التحول الرقمي، وتحديث أخلاقيات المهنة، وتطوير العمل النقابي، والمساهمة في بناء نموذج اقتصادي أكثر استدامة للمؤسسات الإعلامية.
وتكشف هذه الرؤية أن النقاش داخل الجسم الصحفي لم يعد يدور فقط حول كيفية إنقاذ المقاولات الإعلامية، بل حول كيفية بناء صحفي قادر على العمل في بيئة إعلامية تختلف جذريا عن تلك التي عرفتها المهنة خلال العقود الماضية.

عندما تجاوزت التكنولوجيا قدرة القانون على المواكبة
إذا كانت كلمة رئيس النقابة قد وضعت الإطار العام للنقاش، فإن مداخلة الوزير الأسبق والخبير القانوني، محمد الإدريسي العلمي المشيشي نقلت الحضور إلى مستوى آخر، يتعلق بالعلاقة المعقدة بين القانون والإعلام في عصر الرقمنة.
واعتبر العلمي المشيشي أن الثورة الرقمية لم تغير فقط وسائل نشر الأخبار، بل أعادت تشكيل الفضاء العمومي بأكمله، بعدما تحول المواطن من متلق للمعلومة إلى منتج وناشر لها عبر المنصات الرقمية، وهو ما جعل التشريعات التقليدية تواجه تحديات غير مسبوقة.
وأوضح أن الإعلام الرقمي خلق فرصاً واسعة لتوسيع حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، لكنه في المقابل أفرز ظواهر معقدة، من بينها الأخبار الزائفة، وانتهاك الحياة الخاصة، واستغلال المعطيات الشخصية، وخطابات الكراهية، والهيمنة المتزايدة للمنصات العالمية على تدفق المعلومات.
وانطلاقا من هذا الواقع، شدد على أن تحديث المنظومة القانونية لم يعد خيارا، لكنه حذر في المقابل من أن يتحول تنظيم الفضاء الرقمي إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير أو المساس بالمكتسبات الحقوقية.
وفي قراءته لمستقبل الإعلام، توقف العلمي المشيشي عند الذكاء الاصطناعي باعتباره محطة جديدة في تطور وسائل الاتصال، معتبراً أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا يمكن أن تحل محل المسؤولية الإنسانية، لأن القرار التحريري والمسؤولية القانونية والأخلاقية سيظلان مرتبطين بالإنسان لا بالخوارزمية.
من سؤال “هل سيعوض الذكاء الاصطناعي الصحفي؟” إلى سؤال “كيف نؤهل الصحفي؟”

إذا كان العلمي المشيشي قد ركز على البيئة القانونية التي تتحرك داخلها الصحافة، فإن الصحافي والخبير في الإعلام والتواصل الرقمي نور الدين البيار انطلق من سؤال مختلف تماما.
فبدلا من الانشغال بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على مهنة الصحافة، دعا إلى التفكير في كيفية إعداد الصحفي للعمل إلى جانب هذه التكنولوجيا، معتبرا أن الرهان الحقيقي لم يعد حماية المهنة من الذكاء الاصطناعي، بل تمكين الصحافي من امتلاك أدواته وتوجيهها لخدمة العمل المهني.
واستعرض البيار خلال ورشة حول الذكاء ااصطناعي والصحافة بعضا من نتائج دراستين ميدانيتين أنجزهما سنتي 2024 و2026 وشملتا 275 صحافياً، أظهرتا انتقال استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار من مرحلة التجريب إلى مرحلة الاستخدام اليومي في إنتاج المحتوى والبحث والتحرير والتدقيق.
غير أن هذا التحول، بحسب المتحدث، يطرح تحديات مهنية وأخلاقية جديدة، أبرزها مخاطر الهلوسة المعلوماتية، والتحيز الخوارزمي، والتزييف العميق، والاعتماد المفرط على أدوات قد تنتج محتوى يبدو مقنعاً رغم افتقاره إلى الدقة.
وفي هذا السياق، شدد على أن الصحفي لن يفقد مكانه بسبب الذكاء الاصطناعي، وإنما قد يفقده إذا لم يطور مهاراته وقدرته على استخدام هذه الأدوات بكفاءة، لأن القيمة المضافة للصحافة ستبقى في التحقق، والتحليل، وإنتاج المعرفة، وصناعة المعنى، وليس في مجرد إعادة كتابة الأخبار.
ولتحقيق ذلك، اقترح البيار إطلاق أكاديمية متخصصة في الصحافة الرقمية، ووضع مدونة أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، وإحداث مرصد وطني يتابع تأثير هذه التقنيات على المهنة ويواكب تطورها المستمر.
ثلاث رؤى… ورسالة واحدة
ورغم اختلاف منطلقات المتدخلين، فإن المداخلات الثلاث التقت حول فكرة أساسية مفادها أن الصحافة المغربية تقف اليوم أمام منعطف تاريخي.
فعبد الكبير أخشيشن ركز على ضرورة تجديد المشروع النقابي وتحصين الحقوق المهنية، بينما دعا العلمي المشيشي إلى تحديث الإطار القانوني بما يواكب التحولات الرقمية دون المساس بالحريات، في حين نقل نور الدين البيار النقاش إلى داخل غرف الأخبار، حيث اعتبر أن مستقبل الصحافة سيتحدد بقدرة الصحفي على اكتساب مهارات جديدة والتعامل بوعي مع الذكاء الاصطناعي.
كما تقاطعت المداخلات في التأكيد على أن التكنولوجيا ليست خصما للمهنة، وإنما أداة يمكن أن تتحول إلى فرصة أو تهديد بحسب طريقة استخدامها، وأن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالرقمنة، بل أيضاً بالنموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية، والتكوين المستمر، والثقة التي يوليها الجمهور للمحتوى الصحفي.
وفي الوقت نفسه، أبرزت النقاشات أن الصحافة لم تعد تنافس وسائل الإعلام التقليدية فقط، بل تواجه اليوم منافسة المنصات الرقمية ومنتجي المحتوى والخوارزميات التي أصبحت تتحكم في جزء كبير من توزيع الأخبار واستهلاكها.
نحو صحفي جديد
تكشف خلاصات المؤتمر أن السؤال لم يعد يتعلق بمصير الصحافة، بل بشكل الصحفي الذي تحتاجه المرحلة المقبلة.
فالصحفي الذي يكتفي بإعادة نقل المعلومات سيجد نفسه أمام أدوات قادرة على أداء هذه المهمة في ثوانٍ، بينما سيزداد الطلب على الصحفي القادر على التحقيق، والتحقق، والتحليل، وربط الوقائع بالسياقات، وصناعة محتوى يضيف قيمة لا تستطيع الخوارزميات إنتاجها بمفردها.
ولهذا، فإن التكوين المستمر، واكتساب مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الثقافة القانونية والأخلاقية، لم تعد عناصر مكملة للمهنة، بل أصبحت جزءاً من شروط ممارستها.
ما بعد المؤتمر
وفي انتظار التوصيات النهائية للمؤتمر التشاوري، فإن النقاشات التي احتضنها كشفت عن تحول واضح في طريقة تفكير الجسم الصحفي المغربي.
فبعد سنوات من التركيز على الأزمات الاقتصادية والتنظيمية، بدأ النقاش ينتقل نحو سؤال أكثر استراتيجية: كيف يمكن بناء صحافة مستقلة ومهنية في بيئة إعلامية تكتب فيها الآلة، بينما يبقى الإنسان وحده مسؤولاً عن الحقيقة؟
ويبقى الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة هو تحويل هذه الأفكار إلى برامج تكوين، وإصلاحات قانونية، وآليات مهنية قادرة على تمكين الصحافة المغربية من مواكبة التحولات العالمية، دون التفريط في رسالتها الأساسية بوصفها إحدى ركائز المعرفة والديمقراطية.
وتكشف مجمل المداخلات التي رصدتها المحيط أن الصحافة المغربية تقف اليوم أمام خمسة رهانات متداخلة: تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية، ومواكبة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتحديث الإطار القانوني والأخلاقي، وبناء نموذج اقتصادي مستدام للمؤسسات الإعلامية، واستعادة ثقة الجمهور في الإعلام المهني.


