هل يواجه سعيّد أصعب اختبار منذ 2021؟ قراءة في احتجاجات تونس

بعد خمس سنوات من إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2021، عادت العاصمة تونس لتشهد احتجاجات جديدة، لكن هذه المرة في سياق مختلف. فلم

يعد الجدل يقتصر على شرعية المسار السياسي، بل أصبح يمتد إلى حصيلة خمس سنوات من الحكم المركزي، وقدرة الدولة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاقم عاما بعد آخر.

عندما جمّد سعيّد البرلمان وأقال الحكومة قبل خمس سنوات، وجد دعما واسعا من التونسيين الذين كانوا قد فقدوا الثقة في الطبقة السياسية التي حكمت البلاد بعد ثورة 2011. فقد بدا آنذاك أن البلاد دخلت دوامة من الحكومات الهشة، والصراعات الحزبية، والتعثر الاقتصادي، ما جعل كثيرين يرون في قرارات الرئيس فرصة لإنهاء حالة الشلل واستعادة هيبة الدولة.

وراهن الرئيس على أن تركيز السلطة سيمنح مؤسسات الدولة قدرة أكبر على اتخاذ القرار، ويضع حدا للانقسامات التي عطلت الإصلاحات لسنوات. كما قدم مشروعه باعتباره تصحيحا لمسار الثورة، وليس قطيعة معها، مؤكدا أن الأولوية يجب أن تكون لمكافحة الفساد وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

لكن بعد مرور خمس سنوات، تبدو الحصيلة أكثر تعقيدا. فالسلطة أصبحت أكثر مركزية، بينما لم تنجح البلاد في تحقيق الانطلاقة الاقتصادية التي انتظرها المواطنون. ولا تزال معدلات النمو ضعيفة، والاستثمار الخاص يعاني التراجع، فيما تتواصل الضغوط على المالية العمومية وسط ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

ورغم أن جزءا من هذه المشكلات يعود إلى تراكمات سبقت وصول سعيّد إلى السلطة، فإن طول الفترة التي قضاها في الحكم جعل تقييم الأداء يرتبط مباشرة بخياراته السياسية والاقتصادية. فكلما طال أمد النظام الجديد، تقلصت قدرة السلطة على تحميل مسؤولية الأوضاع للمرحلة السابقة.

وفي المقابل، لم تستطع المعارضة استثمار هذا التراجع بالشكل الذي يجعلها بديلا جاهزا. فما زالت القوى السياسية التي قادت المشهد بعد الثورة تعاني الانقسام، كما أن جزءا من الرأي العام يحملها مسؤولية الأزمة التي مهدت لوصول قيس سعيّد إلى الحكم.

وهذا ما يجعل المشهد التونسي مختلفا عن حالات الاحتجاج التقليدية، إذ لا يطالب المحتجون بالضرورة بالعودة إلى ما قبل 2021، بقدر ما يعبرون عن خيبة أمل من غياب التحسن الاقتصادي والاجتماعي الذي وعدت به السلطة الجديدة.

كما أن الشعارات التي رفعت في الاحتجاجات الأخيرة عكست هذا التحول بوضوح. فإلى جانب المطالبة بالحريات وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، حضرت مطالب تتعلق بارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وانقطاع الماء والكهرباء، وهو ما يعكس انتقال الأزمة من مستوى المؤسسات إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.

ويشير ذلك إلى أن الاقتصاد أصبح اليوم العامل الأكثر تأثيرا في مستقبل المشهد السياسي التونسي. فالأزمات المعيشية تمتلك قدرة أكبر على تحريك الشارع من الخلافات الدستورية، خصوصا عندما يشعر المواطن بأن أوضاعه تتراجع رغم مرور سنوات على تغيير قواعد اللعبة السياسية.

وتواجه السلطة في هذا السياق معادلة معقدة. فمن جهة، ترفض شروط صندوق النقد الدولي وتعتبرها مساسا بالسيادة الوطنية، ومن جهة أخرى لم تتمكن من تقديم نموذج اقتصادي قادر على تعويض غياب التمويل الخارجي أو استعادة ثقة المستثمرين.

وبين هذين الخيارين، وجدت الحكومة نفسها تدير أزمة مستمرة أكثر مما تقود برنامجا للإصلاح.

فالأولوية أصبحت الحفاظ على التوازنات المالية وتأمين الإنفاق الأساسي، بينما بقيت ملفات الاستثمار والتشغيل والنمو تسير بوتيرة أبطأ من تطلعات الشارع.

ولا تبدو الاحتجاجات الحالية كافية لإحداث تغيير سياسي سريع، إذ ما زالت مؤسسات الدولة تعمل تحت سيطرة السلطة التنفيذية، كما أن المعارضة لم تنجح في بناء جبهة موحدة قادرة على فرض ميزان قوى جديد.

لكن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يجعل المشهد أكثر تعقيدا خلال المرحلة المقبلة.

فالتجارب السياسية غالبا لا تسقط بسبب الخلافات الدستورية وحدها، بل عندما تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع تراجع الثقة في قدرة الدولة على تحسين حياة المواطنين.

وفي تونس، تبدو هذه العناصر مجتمعة حاضرة بدرجات متفاوتة. فضعف النمو، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع الاستثمار، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عوامل تضغط على المجتمع في وقت تتراجع فيه مساحة الحوار السياسي، ما يجعل أي أزمة اجتماعية مرشحة للتحول إلى أزمة سياسية.

وفي المقابل، لا يزال قيس سعيّد يحتفظ بورقة مهمة تتمثل في استمرار رفض قطاع من التونسيين العودة إلى تجربة الأحزاب التي حكمت البلاد بعد الثورة.

لذلك فإن الأزمة الحالية لا تدور بين مشروعين واضحين، بل بين سلطة تواجه تحديات اقتصادية متزايدة، ومعارضة لم تستطع بعد إقناع الشارع بأنها تملك بديلا أكثر قدرة على إدارة الدولة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه تونس اليوم لم يعد يتعلق فقط بمدى نجاح أو فشل مسار 25 يوليو، وإنما بقدرة البلاد على إنتاج مرحلة جديدة تجمع بين الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي.

 فالحفاظ على مركزية القرار قد يمنح الدولة سرعة في اتخاذ المواقف، لكنه لا يكفي وحده لإعادة النمو أو خلق فرص الشغل أو استعادة ثقة المستثمرين.

وبعد خمس سنوات، تبدو تونس أمام مفترق طرق جديد. فالرهان لم يعد على تغيير قواعد النظام السياسي، بل على قدرة الدولة على تحويل تلك القواعد إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

 وإذا بقي الاقتصاد عاجزا عن استعادة زخمه، فإن الضغوط الاجتماعية ستظل العامل الأكثر تأثيرا في مستقبل المشهد التونسي، بغض النظر عن موازين القوى السياسية.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img