رقمنة الشركات المغربية.. البنك الدولي يفتح سؤال الإنتاجية

لم يعد التحول الرقمي في المغرب مجرد ورش إداري أو شعار مرتبط بتحديث الخدمات العمومية، بل أصبح واحدا من المفاتيح الحاسمة لرفع إنتاجية المقاولات، وتحسين قدرتها على خلق فرص الشغل ودفع أجور أفضل. وهذا ما يجعل النقاش حول الرقمنة ينتقل من سؤال الولوج إلى الإنترنت واستعمال الأدوات الأساسية، إلى سؤال أعمق: هل تستعمل الشركات المغربية التكنولوجيا فعلا داخل قلب نشاطها اليومي؟

وبحسب تقرير اقتصادي حديث للبنك الدولي حول المغرب، صدر في 23 يوليوز 2026 تحت عنوان “ترسيخ النمو.. التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، فإن الاقتصاد المغربي حقق خلال سنة 2025 أقوى وتيرة نمو له منذ نحو عقد، مدفوعا بالاستثمار العمومي وتعافي بعض القطاعات، غير أن الحفاظ على هذا الزخم يظل مرتبطا بقدرة القطاع الخاص على تحقيق قفزة في الإنتاجية، وفي مقدمتها الإنتاجية المدفوعة بالتحول الرقمي

ويستند هذا التشخيص إلى فكرة أساسية مفادها أن المغرب لا يعاني فقط من ضعف في تبني بعض التقنيات المتقدمة، بل من ظاهرة يسميها البنك الدولي “الرقمنة غير المكتملة”.

 وتعني هذه الظاهرة أن مقاولات قد تعتمد أدوات رقمية معينة، لكنها لا تدمجها بشكل عميق في وظائفها الأساسية، مثل الإنتاج، والتدبير، والتسويق، والمبيعات، وتحليل البيانات، وخدمة الزبناء.

وتبرز أهمية هذه الخلاصة لأنها تغير زاوية النقاش. فامتلاك موقع إلكتروني، أو صفحة على شبكات التواصل، أو برنامج بسيط للمحاسبة، لا يعني بالضرورة أن المقاولة أصبحت رقمية.

التحول الرقمي الحقيقي يبدأ عندما تصبح التكنولوجيا جزءا من طريقة اتخاذ القرار، وخفض الكلفة، وتحسين الجودة، وتوقع الطلب، وربط الإنتاج بالسوق.

وتشير معطيات البنك الدولي إلى أن الشركات التي تنتقل إلى استعمال رقمي أكثر كثافة يمكن أن تحقق مكاسب إنتاجية تصل إلى 70 في المائة، وأن تنمو وتيرة تشغيلها بنسبة أسرع بنحو 10 في المائة، وأن تدفع أجورا أعلى بحوالي 27 في المائة في المتوسط. كما يقدر البنك أن تقليص الفجوة الرقمية بين المغرب والدول النظيرة قد يرفع الإنتاجية الإجمالية بما بين 10 و15 في المائة. 

هذه الأرقام تجعل الرقمنة قضية اقتصادية مركزية، لا مجرد ملف تكنولوجي. فالمغرب يراهن على استثمارات كبرى في البنية التحتية، وعلى الاستعداد لكأس العالم 2030، وعلى تطوير الصناعة واللوجستيك والطاقة والسياحة. لكن أثر هذه الأوراش على النمو والشغل سيظل محدودا إذا لم تستطع المقاولات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، تحويل التكنولوجيا إلى مكاسب فعلية في الإنتاجية.

ويحيل التقرير الاقتصادي الحديث للبنك الدولي إلى عمل تحليلي سابق حول قياس التحول الرقمي في المغرب، نشر في أبريل 2026، وركز على طريقة استعمال المقاولات المغربية للتكنولوجيا. وحدد هذا العمل تحديين رئيسيين: وجود فجوة في تبني التقنيات المتقدمة مقارنة بالحدود العالمية، وضعف الاستعمال المكثف لهذه التقنيات حتى عندما تكون متاحة داخل الشركات

وتكمن خطورة “الرقمنة غير المكتملة” في أنها تمنح انطباعا زائفا بالتحديث. فقد تبدو المقاولة حاضرة رقميا من الخارج، لكنها في الداخل ما تزال تشتغل بمنطق تقليدي، يعتمد على قرارات غير مبنية على البيانات، ومساطر بطيئة، وضعف في تتبع الكلفة والمخزون والزبناء والأسواق.

وهنا تظهر المفارقة المغربية. فقد حققت المملكة تقدما معتبرا في البنية التحتية الرقمية، وفي عدد من الخدمات الإلكترونية، كما أطلقت استراتيجية “المغرب الرقمي 2030”. غير أن الامتحان الحقيقي لهذه الاستراتيجية لن يكون فقط في المنصات الحكومية أو المؤشرات العامة، بل في مدى وصول الرقمنة إلى الورش، والمصنع، والمتجر، والمقاولة العائلية، والمقاولة الناشئة، والمصدر الصغير.

فالتحول الرقمي لا ينجح بقرار مركزي وحده. يحتاج إلى كفاءات داخل الشركات، وتمويل موجه للاستثمار في البرمجيات والأنظمة، ومواكبة تقنية، وتحفيز ضريبي ومالي، وربط الدعم العمومي بنتائج قابلة للقياس في الإنتاجية والتشغيل والتصدير.

وتبدو المقاولات الصغيرة والمتوسطة الحلقة الأكثر حساسية في هذا الورش. فهي تمثل قاعدة واسعة من النسيج الاقتصادي، لكنها غالبا الأكثر صعوبة في الولوج إلى الحلول الرقمية المتقدمة، بسبب الكلفة، ونقص الكفاءات، وضعف الوعي بالعائد الاقتصادي للرقمنة. لذلك فإن أي سياسة رقمية لا تضع هذه الفئة في المركز ستظل محدودة الأثر.

ولا يتعلق الرهان فقط بالاقتصاد الداخلي. فالمغرب يسعى إلى ترسيخ موقعه كمنصة صناعية ولوجستية وتكنولوجية بين أوروبا وإفريقيا، خاصة في قطاعات السيارات، والبطاريات، والطيران، والخدمات الرقمية، والطاقة. وهذه القطاعات تحتاج إلى شبكة مقاولات قادرة على الاشتغال بمعايير رقمية متقدمة، حتى لا يبقى المغرب قويا في البنية التحتية وضعيفا في إنتاجية جزء من نسيجه المقاولاتي.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة تقرير البنك الدولي كتنبيه استراتيجي. فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية استثمارات كبرى في الموانئ والطرق والقطارات والطاقة والصناعة، لكنه يحتاج اليوم إلى استثمار مواز في “البنية الرقمية الداخلية” للمقاولات، حيث تتحدد القدرة الفعلية على المنافسة.

والأهم أن الرقمنة لم تعد ترفا ولا خيارا مؤجلا. فالمقاولة التي لا تستعمل البيانات لفهم السوق، ولا تعتمد أدوات رقمية لتدبير الإنتاج والمخزون والزبناء، ولا تستثمر في الأتمتة والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، ستجد نفسها خارج سلاسل القيمة الأكثر تنافسية، حتى لو اشتغلت في بلد يملك بنية تحتية قوية.

لذلك، فإن السؤال الذي يطرحه التقرير الحديث للبنك الدولي ليس ما إذا كان المغرب يتقدم رقميا، بل ما إذا كان هذا التقدم يصل إلى قلب الإنتاج. فالفارق كبير بين اقتصاد يستعمل التكنولوجيا في الواجهة، واقتصاد يجعلها محركا للرفع من الإنتاجية والأجور والتشغيل.

بهذا المعنى، تبدو رقمنة الشركات المغربية إحدى الحلقات المفقودة في معركة النمو. فإذا نجح المغرب في تحويل التحول الرقمي من واجهة تحديث إلى رافعة إنتاجية داخل المقاولات، فقد يربح قفزة جديدة في تنافسيته. أما إذا بقيت الرقمنة غير مكتملة، فإن جزءا من طموح النمو سيظل عالقا بين البنية التحتية الحديثة ومقاولات لا تستعمل التكنولوجيا بما يكفي لصناعة قيمة مضافة أعلى.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img