وضع تقرير حديث صادر عن التحالف من أجل ثورة خضراء في إفريقيا، المعروف اختصارا بـAGRA، المغرب في موقع محوري داخل معادلة الأمن الغذائي بالقارة، في لحظة تعيد فيها التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ترتيب أولويات الطاقة والشحن وسلاسل توريد الأسمدة.
وبحسب التقرير، الذي تناول تداعيات نزاع الشرق الأوسط على تحول النظم الغذائية في إفريقيا، تستحوذ شمال إفريقيا على الجزء الأكبر من احتياطيات الفوسفاط العالمية، وفي مقدمتها المغرب، بما يجعل المنطقة مؤهلة للعب دور حاسم في تحسين ولوج المزارعين الأفارقة إلى الأسمدة.
وأبرز التقرير أن المغرب يتوفر على نحو 70.42 في المائة من احتياطيات الفوسفاط العالمية، ضمن كتلة شمال إفريقية تمثل حوالي 78 في المائة من هذه الاحتياطيات، وهي معطيات تضع المملكة في قلب النقاش حول أمن الأسمدة ومستقبل الإنتاج الغذائي في إفريقيا.
ولا يتعلق الأمر بمجرد مورد طبيعي، بل بقدرة صناعية راكمها المغرب في تحويل الفوسفاط إلى أسمدة، وربط هذه الصناعة بحاجيات الأسواق الإفريقية، حيث يظل ملايين المزارعين في حاجة إلى مدخلات زراعية أكثر انتظاما وأقل كلفة.
غير أن هذه الأفضلية لا تعني أن سلسلة الأسمدة محصنة بالكامل من الصدمات الخارجية. فالتقرير يشير إلى أن إفريقيا، رغم توفرها على احتياطيات ضخمة من الفوسفاط، ما تزال تعتمد بكثافة على واردات حساسة، في مقدمتها الأمونيا واليوريا والبوتاس، وهي مواد ترتبط أسعارها وتوافرها بأسواق الغاز والطاقة والشحن البحري.
وبالنسبة للمغرب، يمنح الفوسفاط أفضلية استراتيجية واضحة، لكنه لا يلغي حساسية جزء من صناعة الأسمدة تجاه هذه المدخلات المستوردة. فالأمونيا تدخل في إنتاج عدد من الأسمدة المركبة، واليوريا تمثل أحد أهم الأسمدة النيتروجينية، بينما يرتبط البوتاس باحتياجات زراعية محددة داخل تركيبات سمادية موجهة لمحاصيل وترب مختلفة.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ظل الاضطرابات المتكررة في الشرق الأوسط. فكل ارتفاع في أسعار الطاقة، أو اضطراب في الممرات البحرية، أو ضغط على سلاسل الشحن، يمكن أن ينعكس على كلفة إنتاج الأسمدة ونقلها، ثم على قدرة الفلاح الإفريقي على استعمالها في الوقت المناسب.
ويرى التقرير أن أزمة الشرق الأوسط لا تبقى محصورة في الجغرافيا السياسية، بل تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي الإفريقي. فالأسمدة ترتبط مباشرة بالمردودية الزراعية، وأي تراجع في استعمالها بسبب ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع كلفة الغذاء.
ومن هذه الزاوية، يظهر المغرب كفاعل لا غنى عنه في أي تصور إفريقي لتقليص الهشاشة الغذائية. فالمملكة تجمع بين احتياطي ضخم من الفوسفاط، وقدرة صناعية في إنتاج الأسمدة، وموقع جغرافي يربط إفريقيا بالأسواق العالمية، وشبكة حضور اقتصادي متنامية في القارة.
لكن الرهان المقبل لا يقتصر على التصدير. فالقيمة الاستراتيجية للدور المغربي تكمن في تحويل الأسمدة إلى أداة للتنمية الزراعية الإفريقية، عبر منتجات ملائمة للتربة المحلية، وأسعار قابلة للتحمل، وشبكات توزيع فعالة، وبرامج مواكبة تقنية لفائدة صغار المزارعين.
ويفتح التقرير بهذا المعنى سؤالا أوسع حول التكامل الإفريقي. فالقارة التي تمتلك أراضي زراعية واسعة تحتاج إلى منظومة أسمدة أكثر استقرارا، وإلى تجارة بينية أقوى، وإلى سلاسل توريد أقل تعرضا للصدمات القادمة من خارجها.
كما يمنح التقرير بعدا جديدا للدبلوماسية الاقتصادية المغربية في إفريقيا. فكما تتحرك الرباط عبر البنوك والموانئ والطاقة والمبادرة الأطلسية، يمكن للفوسفاط والأسمدة أن يشكلا أحد أعمدة حضورها في القارة، خصوصا في مرحلة أصبحت فيها السيادة الغذائية أولوية سياسية واقتصادية.
وتتجلى أهمية هذا الدور في أن الأمن الغذائي لم يعد يحسم فقط داخل الحقول، بل في الطاقة، والموانئ، والأسمدة، والتمويل، والمعرفة الزراعية. وكل حلقة من هذه الحلقات يمكن أن تتحول إلى نقطة قوة أو مصدر هشاشة، بحسب قدرة الدول على التحكم في سلاسل القيمة.
بالنسبة للمغرب، تحمل خلاصات التقرير فرصة ومسؤولية في الوقت نفسه. الفرصة تتمثل في تعزيز موقعه كفاعل إفريقي في الأمن الغذائي، أما المسؤولية فتتمثل في تحويل تفوقه في الفوسفاط إلى مساهمة ملموسة في رفع الإنتاجية الزراعية داخل القارة.
وتؤكد قراءة تقرير AGRA أن الفوسفاط المغربي لم يعد مجرد ثروة معدنية أو منتج تصديري، بل ورقة استراتيجية في زمن تتزايد فيه هشاشة سلاسل التوريد العالمية. فكلما زادت اضطرابات الطاقة والشحن، تعززت أهمية الدول القادرة على تأمين مدخلات الإنتاج الغذائي.
غير أن تحويل هذه الأفضلية إلى نفوذ مستدام يتطلب تأمين الواردات الحساسة في صناعة الأسمدة، وفي مقدمتها الأمونيا واليوريا والبوتاس، وتقليص تعرضها لصدمات الغاز والطاقة والشحن. كما يتطلب الاستثمار في الطاقة النظيفة، وتطوير سلاسل إنتاج أكثر اندماجا داخل القارة.
فالقوة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الفوسفاط وحده، بل في القدرة على تحويله إلى أمن غذائي إفريقي أقل هشاشة وأكثر استقلالا، عبر منظومة تجمع بين الموارد الطبيعية، والصناعة، والطاقة، واللوجستيك، والتعاون الزراعي طويل الأمد.


