لم تعد المضائق البحرية مجرد ممرات لعبور السفن، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية والجيوسياسية. فبعد سنوات كان فيها مضيق هرمز العنوان الأبرز لأمن الطاقة العالمي، برز باب المندب خلال العامين الأخيرين باعتباره نقطة اختناق جديدة لا تقل حساسية، مع تصاعد الهجمات على السفن التجارية واتساع نطاق المخاطر الأمنية في البحر الأحمر. وما يبدو في ظاهره أزمة أمنية، يخفي في عمقه تحولا استراتيجيا في طريقة إدارة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
أحدث هذه التحولات تمثل في تقارير تحدثت عن دراسة جماعة الحوثي فرض رسوم على السفن العابرة للبحر الأحمر، في خطوة تتجاوز استهداف الملاحة إلى محاولة فرض شكل من أشكال السيطرة الاقتصادية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وإذا صحت هذه التوجهات، فإنها تعكس انتقال الصراع من تعطيل حركة التجارة إلى السعي لامتلاك أدوات التأثير فيها.
يمر عبر باب المندب جزء مهم من تجارة النفط والغاز والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا، كما يشكل مع قناة السويس أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. ولذلك، فإن أي اضطراب في هذا الممر لا ينعكس فقط على أسعار الشحن والتأمين، بل يمتد إلى تكاليف الإنتاج والتضخم وسلاسل الإمداد في عشرات الدول.
لكن التحول الأهم لا يتعلق بالممر نفسه، وإنما بطبيعة الفاعلين المؤثرين فيه. فلعقود طويلة ارتبط أمن المضائق بالدول والجيوش النظامية، أما اليوم فقد أصبحت جماعات مسلحة تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة وقدرات بحرية محدودة قادرة على فرض حسابات جديدة على شركات الشحن العالمية، وإجبارها على تغيير مساراتها أو تحمل تكاليف إضافية. وهذا تطور يعيد تعريف مفهوم السيطرة البحرية في القرن الحادي والعشرين.
وتكشف هذه التطورات أن الجغرافيا لم تعد وحدها هي التي تمنح النفوذ، بل القدرة على تهديد حركة التجارة أصبحت في حد ذاتها أداة قوة.
فالتأثير الاقتصادي الذي يمكن أن ينتج عن استهداف عدد محدود من السفن قد يفوق أحيانا نتائج عمليات عسكرية واسعة، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد الذي توليه القوى الكبرى لتأمين البحر الأحمر، ليس فقط لحماية الملاحة، وإنما للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي.
في المقابل، بدأت الدول الأكثر ارتباطا بالتجارة البحرية في إعادة النظر في استراتيجياتها اللوجستية. فالإمارات، على سبيل المثال، سرعت خلال الأشهر الماضية مشاريع تطوير موانئها على بحر العرب، كما عززت استثماراتها في خطوط نقل الطاقة التي تتجاوز مضيق هرمز، في محاولة لتقليل الاعتماد على الممرات الأكثر عرضة للمخاطر. وتعمل دول أخرى على تنويع شبكاتها اللوجستية، وتوسيع قدراتها التخزينية، والبحث عن بدائل أكثر أمنا لاستمرار تدفق السلع.
هذه التحولات تؤشر إلى أن المنافسة المقبلة لن تكون فقط على امتلاك الموانئ، بل على توفير “المسارات الآمنة”. فشركات الشحن والمستثمرون أصبحوا يمنحون الاستقرار الجيوسياسي وزنا متزايدا عند اختيار خطوط النقل، وهو ما يرفع من قيمة الدول القادرة على توفير بيئة آمنة ومستقرة للتجارة الدولية.
ومن هنا يبرز البعد الاستراتيجي للمغرب. فكلما ارتفعت المخاطر في البحر الأحمر، ازدادت أهمية الواجهة الأطلسية باعتبارها فضاء أقل عرضة للتوترات المرتبطة بالمضائق التقليدية. ولا يعني ذلك أن الأطلسي سيحل محل البحر الأحمر أو قناة السويس، لكنه قد يتحول تدريجيا إلى جزء من شبكة بديلة تعتمد عليها الشركات لتوزيع المخاطر، خاصة مع توسع الاستثمارات في الموانئ والبنية التحتية اللوجستية على الساحل الأطلسي.
ويمتلك المغرب في هذا السياق عناصر قوة مهمة، في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، الذي رسخ مكانته كأحد أكبر موانئ الحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، إضافة إلى مشاريع استراتيجية مثل ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يراهن عليه ليصبح منصة لوجستية تربط أوروبا وغرب إفريقيا والأسواق الأطلسية. وإذا استمرت التحولات الحالية، فقد تكتسب هذه المشاريع بعدا جيوسياسيا يتجاوز دورها الاقتصادي التقليدي.
غير أن الاستفادة من هذه التحولات لا ترتبط بالبنية التحتية وحدها، بل بقدرة المغرب على الاندماج في شبكات التجارة الجديدة، واستقطاب الاستثمارات المرتبطة بالخدمات اللوجستية والصناعات الموجهة للتصدير، وتعزيز مكانته كمحور يربط إفريقيا بأوروبا والأمريكيتين عبر الأطلسي.
وفي الوقت نفسه، تكشف أزمة البحر الأحمر عن تحول أعمق في النظام الدولي. فالعالم يتجه تدريجيا من مرحلة العولمة التي كانت تقوم على الكفاءة الاقتصادية وخفض التكاليف، إلى مرحلة جديدة تصبح فيها الجغرافيا السياسية والأمن عاملين حاسمين في اختيار طرق التجارة والاستثمار. وأصبحت الشركات الكبرى تقبل بتحمل تكاليف أعلى مقابل تقليل المخاطر، بينما تتسابق الدول لتأمين موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية.
وبذلك، فإن ما يجري في باب المندب لا ينبغي قراءته باعتباره أزمة بحرية عابرة، بل باعتباره مؤشرا على إعادة رسم خريطة التجارة الدولية. فالممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط على الخرائط، وإنما أصبحت أدوات للنفوذ، بينما تحولت الموانئ وشبكات النقل إلى عناصر في معادلة الأمن القومي والقدرة التنافسية للدول.
وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمنافسة متزايدة بين الممرات البحرية الكبرى، ليس فقط من حيث حجم التجارة التي تستقطبها، وإنما من حيث قدرتها على تقديم الاستقرار والموثوقية. فالعالم يدخل تدريجيا عصر “الجغرافيا اللوجستية”، حيث تصبح الطرق الآمنة سلعة استراتيجية، وتتحول الموانئ إلى أوراق قوة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وهو تحول يفتح أمام المغرب فرصا حقيقية إذا نجح في توظيف موقعه الأطلسي ضمن هذه المعادلة الجديدة.


