حين اعتلى الملك محمد السادس العرش في يوليوز 1999، كان المغرب يقف أمام تحديات متداخلة، من بينها اقتصاد محدود التنويع، وتفاوتات اجتماعية ومجالية عميقة، وبنية تحتية لا تواكب طموحات الاندماج في الاقتصاد العالمي، إلى جانب ملف الصحراء الذي ظل يستنزف جزءا مهما من الجهد الدبلوماسي للمملكة.
وبعد 27 عاما، لا يمكن اختزال حصيلة العهد في لائحة من المشاريع أو المؤشرات الاقتصادية. فالتحول الأبرز يكمن في انتقال المغرب تدريجيا من دولة تركز على تثبيت الاستقرار واستكمال البنيات الأساسية، إلى دولة تسعى إلى التصنيع والتموقع داخل سلاسل القيمة العالمية، وبناء نفوذ إفريقي وأطلسي، مع توسيع أدوار الحماية الاجتماعية.
وجعل الملك محمد السادس معالجة القضايا الاجتماعية إحدى أولويات أول خطاب للعرش في 30 يوليوز 1999. وبعد أكثر من ربع قرن، أضحت قيمة الإنجازات تقاس بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وليس فقط بحجم المشاريع أو الاستثمارات التي جرى إطلاقها.
البنية التحتية.. حين أصبحت الجغرافيا رصيدا اقتصاديا
تشكل البنية التحتية إحدى أكثر التحولات وضوحا خلال عهد الملك محمد السادس. فقد عرف المغرب توسعا في الطرق السيارة والسكك الحديدية والمطارات والموانئ والمنصات الصناعية، ضمن رؤية هدفت إلى تحويل الموقع الجغرافي للمملكة من معطى طبيعي إلى ميزة تنافسية.
ويجسد ميناء طنجة المتوسط هذه المقاربة، إذ تحول المشروع إلى مجمع مينائي وصناعي يعد الأكبر في إفريقيا ومن بين أهم موانئ البحر الأبيض المتوسط، كما أصبح منصة تربط بين الميناء والمصنع والطريق والسوق الخارجية.
ومن هذا النموذج انطلقت منظومات صناعية حول طنجة والقنيطرة والدار البيضاء، بينما أعاد القطار فائق السرعة “البراق” والطرق السيارة الجديدة تشكيل زمن التنقل بين المراكز الاقتصادية الرئيسية.
وفي الجنوب، يعكس ميناء الداخلة الأطلسي انتقال مشاريع البنية التحتية إلى خدمة رؤية أشمل، تجعل الأقاليم الجنوبية بوابة نحو غرب إفريقيا والساحل. أما ميناء الناظور غرب المتوسط، فيمثل محاولة لتكرار تجربة طنجة المتوسط على الواجهة الشرقية للمملكة، مع التركيز على الطاقة والصناعة واللوجستيك.
وتكمن أهمية هذه الأوراش في أنها لم تعد مجرد مرافق عمومية، بل أدوات لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي واستقطاب الاستثمار. ومع ذلك، ما تزال فعالية هذا النموذج مرتبطة بقدرته على توسيع التنمية خارج المحاور الساحلية الكبرى، وربط المدن المتوسطة والمناطق القروية بدورة الاستثمار وفرص الشغل.
من اقتصاد تقليدي إلى قاعدة صناعية تصديرية
شهد الاقتصاد المغربي خلال 27 عاما تحولا في تركيبته، وإن ظل هذا التحول غير مكتمل. فقد انتقل المغرب من الاعتماد الكبير على الفلاحة والفوسفاط والنسيج إلى اقتصاد يضم صناعات السيارات والطيران والإلكترونيات والأسمدة المتخصصة والطاقات المتجددة.
وأصبحت صناعة السيارات أبرز عنوان لهذا التحول. فبعد استقطاب مصانع كبرى ومئات الموردين، تحول القطاع إلى أحد أهم مصادر الصادرات المغربية، كما رسخ موقع المملكة ضمن سلاسل إنتاج السيارات الموجهة للأسواق الأوروبية والدولية.
وتطورت صناعة الطيران بدورها حول الدار البيضاء، وبدأ المغرب يتحول من موقع تجميع المكونات إلى إنتاج أجزاء ذات قيمة تقنية أكبر. غير أن الرهان المقبل لا يتعلق فقط بجذب المصانع، بل برفع الاندماج المحلي، وتطوير البحث والتطوير، وإدماج المقاولات المغربية في المنظومات الصناعية بدل بقائها في الأطراف.
وفي قطاع الفوسفاط، انتقلت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط من نموذج تصدير المادة الخام إلى إنتاج الأسمدة والحلول الزراعية الموجهة لأسواق مختلفة، ضمن توسع يشمل الطاقة النظيفة وتحلية المياه وإنتاج الأسمدة منخفضة الكربون.
لكن التحول الصناعي لم يلغ هشاشة التوازنات الخارجية. فالقاعدة التصديرية أصبحت أكثر تنوعا، لكنها ما تزال تعتمد على استيراد الطاقة والتجهيزات والمواد الأولية، وهو ما يجعل العجز التجاري أحد التحديات المستمرة أمام الاقتصاد الوطني.
الدبلوماسية.. من الدفاع إلى بناء النفوذ
يمثل التحول الدبلوماسي أحد أبرز ملامح عهد الملك محمد السادس. فقد انتقلت السياسة الخارجية المغربية تدريجيا من منطق الدفاع عن المواقف التقليدية إلى استراتيجية تجمع بين الاقتصاد والاستثمار والتعاون الديني والأمني والدبلوماسية المباشرة.
وكانت العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مركزية في هذا التحول، بعد غياب استمر أكثر من ثلاثة عقود. فقد اختار المغرب العودة إلى داخل المؤسسات الإفريقية، بالتوازي مع توسيع حضور بنوك وشركات اتصالات وأسمدة وتأمين وبناء مغربية في القارة.
وأصبحت إفريقيا فضاء رئيسيا للسياسة الخارجية المغربية، ليس فقط من خلال العلاقات الثنائية، بل عبر مشاريع ذات بعد استراتيجي، مثل أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، ومبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومشاريع الأمن الغذائي والأسمدة والتكوين الديني.
وفي ملف الصحراء، حققت الدبلوماسية المغربية تحولات مهمة. فقد اعترفت الولايات المتحدة في دجنبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء، بينما أعلنت إسبانيا سنة 2022 أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للحل، وانضمت فرنسا بعد ذلك إلى هذا الاتجاه.
كما افتتحت دول إفريقية وعربية قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، في مؤشر دبلوماسي وسياسي على اتساع دائرة دعم الموقف المغربي.
غير أن نجاح الدبلوماسية المغربية لم يقم فقط على ملف الصحراء. فقد اعتمد المغرب سياسة تنويع الشركاء، من خلال الحفاظ على علاقاته التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة، والانفتاح على الصين وروسيا ودول الخليج، مع تقديم نفسه بوصفه منصة مستقرة تربط أوروبا بإفريقيا والمحيط الأطلسي بالبحر المتوسط.
الدولة الاجتماعية.. من المبادرات إلى منظومة للحماية
على المستوى الاجتماعي، بدأت المرحلة بمبادرات تستهدف محاربة الفقر والهشاشة، قبل أن تنتقل إلى محاولة بناء منظومة أوسع للحماية الاجتماعية.
وشكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 محطة مركزية، إذ وضعت مكافحة الفقر والإقصاء والهشاشة في قلب تدخلات الدولة، ومولت آلاف المشاريع الاجتماعية والاقتصادية في المدن والقرى.
ورغم تفاوت نتائجها، ساهمت المبادرة في نقل السياسة الاجتماعية من المساعدات المتفرقة إلى برامج مجالية أكثر تنظيما.
ومنذ 2020، دخل المغرب مرحلة جديدة مع مشروع تعميم الحماية الاجتماعية، الذي شمل توسيع التأمين الإجباري عن المرض وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة ملايين الأسر.
لكن توسيع التسجيل لا يعني بالضرورة تحقق الاستفادة الفعلية. فالتحدي لم يعد إصدار القوانين أو توسيع قواعد المستفيدين فقط، بل ضمان جودة العلاج وتوفر الأطباء والمستشفيات والأدوية، وتحقيق التوازن المالي للمنظومة.
دستور 2011.. انتقال مؤسساتي لم يكتمل تنزيله
جاء دستور 2011 ليؤسس مرحلة مؤسساتية جديدة، عبر توسيع مجال الحقوق والحريات، وتعزيز موقع الحكومة والبرلمان، والاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية، وإقرار مبادئ الحكامة والجهوية المتقدمة.
وشكل الدستور استجابة لتحولات داخلية وإقليمية عميقة، وفتح المجال أمام إعادة توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، مع توسيع حضور الهيئات الدستورية ومبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
غير أن تنزيل عدد من هذه المقتضيات ظل أبطأ من الطموح الدستوري، خصوصا في ما يتعلق بفعالية المؤسسات، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتعزيز الثقة في العمل السياسي.
التعليم والتشغيل.. الحلقة التي لم تكتمل
رغم الاستثمارات والإصلاحات المتعاقبة، يظل التعليم أحد أبرز نقاط الضعف في حصيلة التنمية. فقد توسع الولوج إلى المدرسة والجامعة، لكن جودة التعلمات لم تتقدم بالوتيرة نفسها.
وأطلقت المملكة برامج جديدة من بينها “مدارس الريادة”، التي تهدف إلى تحسين التعلمات الأساسية في القراءة والرياضيات، لكن تحويل نتائجها الأولية إلى إصلاح شامل سيحتاج إلى الاستمرارية والتقييم المستقل.
ويرتبط ضعف التعليم مباشرة بسوق العمل. فرغم إحداث مناصب شغل جديدة، ما تزال البطالة مرتفعة، خصوصا في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
وتؤكد هذه المؤشرات أن النمو والاستثمار في البنية التحتية والصناعة لم يتحولا بعد بالقدر الكافي إلى وظائف مستقرة وواسعة، وهو ما يجعل التشغيل والاندماج الاقتصادي للشباب التحدي الاجتماعي والسياسي الأكثر إلحاحا في المرحلة المقبلة.
الماء والطاقة.. معركة العقد المقبل
إذا كانت البنية التحتية والصناعة قد ميزتا العقدين الأولين من العهد، فإن الماء والطاقة سيحددان إلى حد كبير العقد المقبل.
فبعد سنوات من الجفاف وتراجع الموارد، انتقل المغرب إلى تسريع بناء محطات تحلية مياه البحر وربط الأحواض المائية وتحديث شبكات الري، في محاولة لمواجهة ضغط متزايد على الموارد المائية.
ويوازي ذلك رهان على الطاقات المتجددة، بدأ بمشاريع الرياح والطاقة الشمسية ومحطة نور ورزازات، ثم توسع نحو الهيدروجين الأخضر وإزالة الكربون من الصناعة.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على سرعة إنجاز المشاريع، وقدرة الشبكة الكهربائية على استيعاب الإنتاج، وتطوير صناعة محلية مرتبطة بالمعدات والتخزين.
من دولة المشاريع الكبرى إلى دولة الأثر
بعد 27 عاما، يبدو المغرب مختلفا بوضوح عن مغرب 1999. فقد تطورت بنيته التحتية، وتنوعت قاعدته الصناعية، وتعزز حضوره الدبلوماسي، ووسع منظومة الحماية الاجتماعية، وبدأ يتحول إلى منصة إقليمية في الصناعة واللوجستيك والطاقة.
لكن قوة المشاريع الكبرى تتعايش مع استمرار فجوات في التعليم والصحة والتشغيل والعدالة المجالية. كما أن ارتفاع البطالة واتساع العجز التجاري وضغط الماء يكشف أن نموذج التنمية يحتاج إلى مرحلة ثانية، لا تكتفي بجذب الاستثمار وبناء المنشآت، بل ترفع إنتاجية الاقتصاد وتطور رأس المال البشري وتضمن استفادة أوسع من الثروة.
لقد كان عنوان جزء كبير من عهد الملك محمد السادس هو بناء أدوات القوة، من موانئ وطرق ومصانع وشراكات دولية ومؤسسات اجتماعية. أما عنوان المرحلة المقبلة، فسيكون مدى القدرة على تحويل هذه الأدوات إلى نمو أكثر شمولا، وخدمات أفضل، ووظائف أكثر، وثقة أقوى بين المواطن والمؤسسات.
وبذلك، لا تقاس حصيلة 27 عاما فقط بما أنجز على الأرض، بل أيضا بالأساس الذي أصبح المغرب يمتلكه لمواجهة عالم أشد تنافسا واضطرابا، وبقدرته على الانتقال من دولة المشاريع الكبرى إلى دولة الأثر الملموس في حياة المواطنين.


