بعد ثلاثة أسابيع على موجة العبور غير المسبوقة التي شهدتها سبتة، لم تعد تداعيات الأزمة محصورة في السياج الحدودي والشواطئ الفاصلة عن المغرب.
فالمدينة تواجه اليوم ضغطا متزامنا على الإيواء والخدمات الصحية والأجهزة الأمنية، بالتوازي مع انتقال الملف إلى مواجهة سياسية متصاعدة بين الحكومة الإسبانية والمعارضة، وصلت إلى داخل الحزب الاشتراكي نفسه.
وبحسب معطيات رصدتها “المحيط”، شرعت السلطات الإسبانية، الخميس 20 غشت، في إعادة إيواء مهاجرين كانوا يقيمون في مخيمات وتجمعات عشوائية، خصوصا في منطقة شاطئ “إل ترامبولين”، ونقلت مجموعات منهم إلى فضاءات مؤقتة جهزتها الحكومة، بمشاركة الشرطة والحرس المدني ومنظمات مدنية.
وتظهر صور تحققت منها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية، بعد عشرين يوما من موجة العبور، استمرار وجود مئات المهاجرين في عدد من النقاط داخل سبتة، بين الشواطئ والطرق والتجمعات المؤقتة، في مؤشر على أن تراجع الضغط المباشر على الحدود لم ينه الآثار الداخلية للأزمة.
وكان نحو 350 من النساء والأطفال قد تجمعوا في مخيم مؤقت أقامه سكان في حي “لا رينا”، بينما حذرت منظمات تعمل في مجال حماية الطفولة من استمرار وجود قاصرين خارج مرافق الإيواء الرسمية، ما وضع السلطات المحلية والمركزية أمام تحد يتعلق بتوفير أماكن الاستقبال وتحديد الوضع القانوني لكل حالة.
وتحركت الحكومة المركزية خلال الأيام الأخيرة لإنشاء فضاءات مؤقتة جديدة.
وأعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة إلما سايز توفير مرافق تستوعب نحو 1500 شخص، قبل بدء نقل مجموعات من الموجودين في الشواطئ إلى مواقع مجهزة بأسرة ومياه ومرافق صحية وخدمات أساسية.
وبحلول الخميس، كانت السلطات قد شرعت في نقل أكثر من ألف شخص من منطقة “إل ترامبولين”، بينهم نحو 1200 من مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء باتجاه منشأة في “لوما مارغاريتا”، إضافة إلى مجموعات أخرى نقلت إلى “لوما كولمينار”، في عملية تستهدف إنهاء التجمعات العشوائية وتحسين ظروف الإيواء.
لكن أزمة الاستقبال ليست سوى أحد أوجه الوضع الذي تعيشه المدينة.
ففي القطاع الصحي، حذرت هيئات تمريض إسبانية من ضغط كبير على الخدمات الطبية في سبتة، بالتزامن مع تسجيل حالات مرتبطة بالتهابات الجهاز الهضمي والسل والجرب.
وأثارت هذه المعطيات مواجهة سياسية بشأن قدرة المنظومة الصحية المحلية على التعامل مع الارتفاع المفاجئ في عدد السكان الموجودين داخل المدينة.
الحزب الشعبي تحدث عن “انهيار” في الخدمات الصحية وطالب وزيرة الصحة مونيكا غارسيا بتقديم توضيحات أمام البرلمان، بينما ترفض الحكومة توصيف الوضع بالانهيار.
كما نفت وزارة الدفاع وجود علاقة بين حالات الجرب التي سجلت في صفوف عسكريين وبين عمليات مساعدة المهاجرين، مؤكدة أن بعض الإصابات سبقت موجة العبور.
وبموازاة الضغط على الصحة والإيواء، لا تزال الأجهزة الأمنية تعمل وفق ترتيبات استثنائية.
فقد علقت قيادة الحرس المدني منح إجازات وعطل جديدة لعناصرها العاملين في سبتة ومليلية إلى حين تراجع حالة التأهب، فيما أرسلت وزارة الداخلية تعزيزات إضافية من الشرطة ووحدات مختصة بالهجرة والحدود.
وأعلنت الداخلية في وقت سابق إرسال 45 شرطيا إضافيا لتعزيز الأمن داخل سبتة، إلى جانب نحو عشرين عنصرا متخصصا في شؤون الأجانب والحدود لتسريع معالجة الملفات المرتبطة بالمهاجرين الموجودين في المدينة.
وتكشف هذه الإجراءات عن انتقال إدارة الأزمة من مرحلة منع العبور الجماعي إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتعلق بالتعامل مع الأشخاص الذين ظلوا داخل سبتة، وتحديد أوضاعهم القانونية، ومعالجة طلبات اللجوء، وتوفير الإيواء للقاصرين والفئات الهشة.
وأصبح ملف القاصرين إحدى أكثر نقاط الأزمة حساسية.
فقد دخلت الحكومة الإسبانية والحزب الشعبي في مواجهة جديدة حول مصير الأطفال والمراهقين الذين وصلوا خلال موجة العبور.
ويطالب زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييز فييخو بإعادة جميع من دخلوا بصورة غير نظامية، بمن فيهم القاصرون، بينما تؤكد الحكومة أن أي إجراء يتعلق بالأطفال يجب أن يخضع لقواعد حماية القاصر والضمانات القانونية.
وتخطط وزارة الشباب والطفولة لنقل نحو 500 فتاة تعتبرهن من الفئات الأكثر هشاشة من سبتة إلى مراكز استقبال في شبه الجزيرة، في محاولة لتخفيف الضغط على المدينة، بينما يعارض الحزب الشعبي هذا الخيار ويدفع في اتجاه إعادتهم.
ودخلت المفوضية الأوروبية بدورها على خط النقاش، مؤكدة واجب إسبانيا في حماية القاصرين الموجودين في أوضاع هشة، بالتوازي مع موقف أوروبي يدعو إلى إعادة الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط الإقامة أو الحماية، مع احترام الضمانات القانونية الخاصة بالقاصرين.
غير أن تداعيات الأزمة تجاوزت المواجهة التقليدية بين الحكومة والمعارضة.
ففي تطور لافت، خرج نائبان عن الحزب الاشتراكي في مجلس سبتة، الخميس، لانتقاد طريقة تعامل الحكومة المركزية التي يقودها حزبهم مع الأزمة، وطالبا بإجراءات أكثر استعجالا، من بينها تعزيز الحضور الأوروبي على الحدود وتوفير حلول أسرع للوضع داخل المدينة.
ويكشف هذا التحرك حجم الضغط المحلي الذي بدأت الأزمة تمارسه على الأحزاب الإسبانية، بعدما كان الجدل في بدايتها يدور أساسا حول مسؤولية الحكومة والعلاقة مع المغرب.
أما الحزب الشعبي، فقد رفع مستوى الضغط خلال زيارة فييخو إلى سبتة، حيث طرح حزمة إجراءات تشمل إدارة مركزية للأزمة وتعزيز الإمكانات الأمنية، إلى جانب خطة استثمارية بقيمة 650 مليون يورو لإنعاش اقتصاد المدينة.
وفي المقابل، يذهب حزب Vox المعروف بموقفه المعادي المغرب، أبعد من ذلك، إذ طالب بإجراء تدقيق شامل للكلفة الصحية والأمنية للأزمة وتحميل المغرب هذه النفقات، ضمن خطاب أكثر صداما مع الرباط يربط بين الهجرة والسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية.
وتظهر هذه المواقف أن الأزمة لم تعد ملف هجرة فقط، بل تحولت إلى قضية داخلية تتقاطع فيها الصحة والأمن والطفولة والسياسة الخارجية والصراع الحزبي الإسباني.
كما تكشف الأسابيع الثلاثة التي تلت موجة العبور أن السيطرة على الحدود لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة.
فبعد تراجع التدفق الكبير، وجدت سبتة نفسها أمام تحد مختلف: آلاف الأشخاص الذين يحتاجون إلى تحديد أوضاعهم، ومرافق استقبال تحتاج إلى توسيع، وأجهزة أمنية وصحية تعمل تحت ضغط، ونقاش قانوني معقد حول القاصرين وعمليات الإعادة.
وتضع هذه المرحلة الحكومة الإسبانية أمام اختبار قد يكون أطول من أزمة الحدود نفسها.
فالمشهد الذي بدأ بآلاف الأشخاص عند السياج والشواطئ تحول تدريجيا إلى أزمة إدارة داخل المدينة، بينما انتقلت المواجهة السياسية من سؤال “كيف حدث العبور؟” إلى سؤال أكثر إلحاحا بالنسبة إلى مدريد: كيف تنهي إسبانيا تداعياته؟


