أمريكا وإيران تنقلان معركة هرمز من الصواريخ إلى الخوارزميات

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز تقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات المسيرة والسفن المستهدفة. خلال الأشهر الأخيرة ظهرت جبهة أكثر هدوءا وأقل وضوحا، لكنها قادرة على إرباك واحدة من أهم الممرات الاقتصادية في العالم: جبهة الإحداثيات والإشارات والخوارزميات.

آخر التطورات تجعل هذه الجبهة أكثر أهمية. فحركة سفن السلع عبر المضيق هبطت خلال الأيام الأخيرة إلى أدنى مستوياتها منذ ماي، بمتوسط يقارب عشر سفن يوميا، فيما تستعد إيران للإعلان عن منطقة بحرية مقيدة ومسار جديد للملاحة عبر هرمز، وسط تصعيد مباشر بينها وبين القوات الأمريكية. وفي الوقت نفسه، صعد خام برنت إلى مستويات تقترب من 100 دولار للبرميل.

لكن خلف الاشتباك المرئي تجري حرب أخرى.

الخبير العسكري والاستراتيجي عبد الرحمن مكاوي يعتبر، في تحليل حصري لـ”المحيط”، أن المواجهة انتقلت تدريجيا “من حرب الصواريخ إلى حرب الخوارزميات”، وأن الطيف الكهرومغناطيسي أصبح جزءا أساسيا من ساحة القتال، خصوصا عبر التشويش والتضليل الذي يستهدف أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية.

المؤشرات ظهرت بقوة منذ 28 فبراير، مع اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وخلال 24 ساعة فقط، رصدت شركة Windward المتخصصة في الاستخبارات البحرية تعرض أكثر من 1100 سفينة في الخليج لتداخلات طالت GPS ونظام التعريف الآلي AIS.

لم تكن النتيجة مجرد اختفاء إشارات.

ظهرت ناقلات نفط على الخرائط الإلكترونية فوق اليابسة، وسفن شحن داخل مطارات، وأخرى قرب محطة براكة النووية، فيما رسمت بعض الإشارات مسارات دائرية غير واقعية وسط البحر. وحددت Windward عشرات البؤر الجديدة للتشويش في المياه المحيطة بالإمارات وقطر وعمان وإيران.

وتؤكد بيانات Lloyd’s List أن الظاهرة لم تكن عابرة. فقد تعرضت مئات السفن لتداخلات في أنظمة GNSS خلال الأيام الأولى للحرب، ثم ارتفع عدد الحوادث بصورة متسارعة، ليصل بحلول 7 مارس إلى أكثر من 3700 حادثة أثرت في نحو 2700 سفينة في المنطقة.

هنا يظهر الفرق بين التشويش والتضليل.

التشويش، أو Jamming، يمنع جهاز الاستقبال من التقاط الإشارة الصحيحة. أما التضليل، أو Spoofing، فهو أكثر خطورة، لأنه يقدم للسفينة إشارة تبدو صحيحة لكنها تحمل إحداثيات مزيفة.

أي أن النظام لا يقول للربان “لا أعرف موقعك”، بل يقنعه بأنه موجود في مكان آخر.

وهذا هو التحول الذي يمنح الحرب الإلكترونية بعدها الاستراتيجي.

أستاذ هندسة الطيران بجامعة تكساس تود همفريز قال لـScientific American إنه “متأكد إلى حد كبير” من أن الجانب الإيراني يقف وراء جزء من عمليات التضليل، مرجحا استخدام أجهزة مثبتة على أبراج مرتفعة أو مناطيد على الساحل الإيراني لإرسال إشارات أقوى من الإشارة القادمة من الأقمار الصناعية.

وعندما يتلقى جهاز GPS الإشارة المزيفة، تنتقل الإحداثيات الخاطئة إلى نظام AIS، فيبدأ بدوره في إذاعة موقع غير حقيقي للسفينة أمام السفن الأخرى ومراكز المراقبة.

غير أن الصورة الميدانية أكثر تعقيدا من اتهام طرف واحد بكل حالات التشويش.

تحليلات Lloyd’s List أشارت أيضا إلى احتمال أن تكون بعض الإشارات القوية ناتجة عن إجراءات دفاعية تستخدمها أطراف أخرى في الخليج للتشويش على أنظمة هجومية إيرانية، ما يعني أن البيئة الكهرومغناطيسية نفسها أصبحت مزدحمة بإشارات متعارضة، بعضها هجومي وبعضها دفاعي.

بالنسبة إلى مكاوي، تكمن قوة الأسلوب الإيراني في عدم التماثل.

فالسلاح هنا لا يحتاج بالضرورة إلى منصة باهظة الثمن. جهاز بث وتضليل منخفض الكلفة يمكن، إذا وضع في الموقع المناسب واستخدم بقدرة كافية، أن يربك ناقلة نفط قيمتها مئات ملايين الدولارات، ويجبر طاقمها على العودة إلى الرادار والمراقبة البصرية ووسائل الملاحة التقليدية.

وهذه ليست مشكلة تقنية صغيرة في مضيق يعبره عادة عدد كبير من السفن العملاقة يوميا.

السفينة التجارية الضخمة تحتاج مسافة طويلة لتغيير اتجاهها أو التوقف. وإذا فقد ربانها القدرة على معرفة الموقع الدقيق للسفن المحيطة، فإن الخطر لا يعود محصورا في انحراف الإحداثيات، بل يمتد إلى الاصطدام والتأمين وتعطيل الموانئ وسلاسل الإمداد.

لهذا السبب، يصف مكاوي هرمز بأنه نموذج مبكر لـ”حرب الخوارزميات”: استهداف الثقة في البيانات التي تقوم عليها الحركة العسكرية والتجارية، وليس استهداف المنصة المادية نفسها.

والمفارقة أن هذا النوع من الحرب يصيب إحدى نقاط القوة الرئيسية للجيوش والاقتصادات الحديثة: الاعتماد الكثيف على الأنظمة الرقمية.

الولايات المتحدة تمتلك أنظمة GPS عسكرية أكثر تحصينا، بينها الإشارات المشفرة وتقنيات الملاحة بالقصور الذاتي، بينما تبقى السفن التجارية أكثر عرضة للتشويش بسبب استخدامها تجهيزات مدنية بعضها قديم ولا يعتمد سوى ترددات محدودة.

Scientific American تشير إلى أن جزءا من أسطول النقل البحري العالمي ما زال يستخدم أجهزة متأخرة تكنولوجيا مقارنة حتى بالهواتف الذكية الحديثة القادرة على استقبال إشارات من عدة منظومات أقمار صناعية وترددات مختلفة.

وهنا تحديدا يتحول هرمز من أزمة إيرانية أمريكية إلى مشكلة عالمية.

الممر الذي تمر عبره حصة كبيرة من تجارة الطاقة أصبح في الوقت نفسه ممرا يمكن فيه التشكيك في المعلومة الأساسية التي تحدد موقع السفينة.

ومع امتداد الأزمة، لم تعد الشركات تخشى الصاروخ فقط. بعض السفن تغير مساراتها، وبعضها يغلق أنظمة التتبع، وشركات شحن أعادت النظر في دخول الخليج، بينما أصبح التأمين والملاحة والامتثال للعقوبات مرتبطا أيضا بمدى موثوقية بيانات الموقع.

وتزداد خطورة هذا التطور مع انتقال الصراع مجددا إلى السفن التجارية.

ففي الأيام الأخيرة استهدفت القوات الأمريكية ناقلات إيرانية، ورد الحرس الثوري باستهداف سفن وناقلات قال إنها تتحرك عبر مسارات غير مصرح بها، بينما وسعت طهران قائمة السفن الممنوعة من العبور.

بذلك تصبح السيطرة على هرمز متعددة الطبقات: صاروخ يستطيع ضرب السفينة، وقوة بحرية تستطيع منعها، وتنظيم جديد يستطيع تحديد مسارها، وإشارة إلكترونية تستطيع جعلها تشك في مكانها.

أما العقد الذي منحته القوات الجوية الأمريكية في يوليو لشركة Vantage Analytical بقيمة قصوى تبلغ 499 مليون دولار، فيعكس اتساع الاستثمار الأمريكي في تجارب ودمج الأنظمة الفضائية الجديدة حتى عام 2036، لكنه لا يمكن اعتباره، في حد ذاته، برنامجا مخصصا حصريا لمواجهة تشويش GPS في هرمز.

الأهم هو الاتجاه الاستراتيجي الأوسع: الجيوش تبحث عن أنظمة قادرة على العمل عندما تصبح إشارات الأقمار الصناعية غير موثوقة.

ومن هنا تأتي خلاصة مكاوي.

الحرب المقبلة قد لا تبدأ دائما بانفجار. أحيانا تبدأ بنقطة تتحرك على شاشة.

وإذا استطاع خصمك أن يجعلك تشك في مكان سفينتك، أو طائرتك، أو قواتك، فقد يكون قد نجح في تعطيل جزء من قدرتك العسكرية والاقتصادية قبل أن يطلق الصاروخ الأول.

وفي هرمز، يبدو أن هذه الحرب لم تعد سيناريو مستقبليا.

لقد بدأت بالفعل.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img