يربط تحالف اليسار تحسين العيش بتغيير توزيع السلطة والثروة.
ففي برنامجه الانتخابي، يصبح رفع الأجور وتقوية المستشفى والمدرسة العموميين جزءا من مشروع أوسع، يقوم على ملكية برلمانية، ودولة تتدخل في الإنتاج والخدمات، وضرائب تحمل الثروات والمداخيل الكبرى مساهمة أكبر في التمويل.
وتقرأ «المحيط»، ضمن ملف «عين على 23 شتنبر»، البرنامج السياسي والانتخابي للفترة 2026–2031 الذي يقدمه تحالف حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد تحت شعار «الكرامة أولا».
وتجمع الوثيقة بين الإصلاح المؤسساتي والسيادة الاقتصادية والحقوق الاجتماعية، وتخصص محورا مستقلا لتمويل التزاماتها.
ينطلق التحالف من تشخيص يعتبر أن الاختلالات تتجاوز أداء حكومة بعينها، وترتبط، في نظره، بتمركز القرار وتداخل النفوذ السياسي بالمصالح الاقتصادية.
ومن هنا يقدم الديمقراطية باعتبارها شرطا لتوجيه الاستثمار ومراقبة المال العام وإعادة توزيع الثروة.
ويقترح ملكية برلمانية تضطلع فيها الملكية بدور ضمان وحدة الدولة واستمرارها، وتمارس الحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية صلاحياتها التنفيذية، مع توسيع الرقابة البرلمانية وضمان استقلال القضاء.
ويربط هذا المسار بإطلاق سراح معتقلي الرأي والحراكات الاجتماعية السلمية، وضمان حرية التعبير والتنظيم، وتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وحماية المبلغين ونشر معطيات الصفقات والمستفيدين الفعليين منها.
هذا الربط يمنح البرنامج منطقه السياسي، لكنه يضعه أمام مسارين مختلفين في التنفيذ: إجراءات اقتصادية واجتماعية يقترح تنزيلها منذ بداية الولاية، وتحول دستوري يقتضي تعبئة سياسية وتوافقات أوسع.
وسيكون على التحالف أن يوضح ما يستطيع إنجازه أثناء بناء شروط الإصلاح الذي يعتبره مدخلا لبقية مشروعه.
في الاقتصاد، تقترح الوثيقة توسيع الدور العمومي عبر بنك للاستثمار وشركة للتجهيز الصناعي واستعادة التحكم في الشبكات الحيوية.
وتمنح، في المقابل، مكانا للقطاع الخاص المنتج والتعاونيات، مع ربط الدعم باحترام حقوق العمال والالتزامات البيئية والإدماج المحلي.
المواجهة التي يرسمها البرنامج تقع بين الإنتاج والريع.
لذلك يجمع بين تمويل المقاولات الصغيرة بشروط ميسرة، ومنح أفضلية للإنتاج الوطني في الطلبيات العمومية، ومراجعة اتفاقيات التبادل الحر، وفرض حماية انتقائية للصناعات التي يعتبرها مهددة بالإغراق.
ويضع ضمن أهدافه بلوغ 300 ألف منصب شغل صاف سنويا في أفق 2031، ورفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي بخمس نقاط.
غير أن الحماية وحدها لا تكفي لضمان إنتاج تنافسي؛ فاختبار هذا الاختيار سيكون في ربطها باستثمار وتحديث والتزامات قابلة للقياس، حتى لا تتحول بدورها إلى امتياز دائم.
أما الوعد الأكثر اتصالا بالدخل اليومي، فهو بلوغ حد أدنى للأجر قدره خمسة آلاف درهم صافية شهريا سنة 2029، مع توحيده بين الأنشطة الفلاحية وغير الفلاحية.
ويحدد البرنامج مسارا لغير الفلاحي يبدأ بـ4100 درهم سنة 2027، ثم 4550 درهما في 2028، قبل بلوغ خمسة آلاف في السنة الثالثة.
ويقترح تعديلا تلقائيا للأجور عند تجاوز ارتفاع الأسعار عتبة اثنين في المائة سنويا.
وتقر الوثيقة بأن الزيادة تحتاج إلى مواكبة المقاولات الصغيرة جدا، فتقترح تحملا جزئيا ومتدرجا لمساهماتها الاجتماعية، بشروط تتعلق بالحفاظ على الشغل والتصريح بالأجراء.
هنا تتوقف فعالية الوعد على الجمع بين تحسين دخل العامل وقدرة مشغله على الاستمرار.
ويضيف التحالف برنامجا للشغل أو التكوين المؤدى عنه لفائدة الشباب بين 18 و25 سنة الموجودين خارج العمل والتكوين، يستهدف 150 ألف مستفيد في أفق 2031.
كما يقترح حماية العاملين عبر التطبيقات باعتبارهم أجراء، وتقنين الحق في قطع الاتصال خارج أوقات العمل، ومنع التدريب غير المؤدى عنه الذي يعوض التشغيل.
وفي مواجهة الغلاء، يربط البرنامج زيادة الدخل بتحديد أسعار سلة من المواد الأساسية، ومراقبة الهوامش، ورفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل إلى 60 ألف درهم سنويا، وتوسيع الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة ليشمل السلة الأساسية والأدوية ومستلزمات طبية والشطر الأول من الطاقة المنزلية.
يريد التحالف بذلك التأثير في جانبي ميزانية الأسرة: ما يدخل إليها وما تؤديه.
لكن نجاح ضبط الأسعار يظل مرتبطا بتأمين العرض ومراقبة التكلفة، كما يحتاج التخفيض الضريبي إلى تتبع وصول أثره إلى المستهلك.
وفي الصحة، يقترح إلغاء تعليق الاستفادة من العلاج والتعويض بسبب عدم أداء الاشتراكات، مع إبقاء التحصيل المالي منفصلا عن حق العلاج، ومراجعة مساهمات غير الأجراء على أساس الدخل الحقيقي.
ويمتد التغيير إلى توحيد أنظمة التغطية ضمن صندوق وطني للتضامن، وإعادة توجيه حصة أكبر من تدفقات التأمين إلى المستشفى العمومي، وتشديد شروط تعاقد المصحات مع التأمين، وتقوية إنتاج الأدوية الأساسية واستعمال الأدوية الجنيسة.وتتعهد الوثيقة بتوظيف 15 ألف مهني صحي، وتوجيه موارد إضافية إلى القطاع تصل إلى 24 مليار درهم سنويا في أفق 2031.
والرهان هو أن تتزامن إعادة توجيه التمويل مع توسيع قدرة المستشفى على العلاج؛ فتحويل الأموال إليه يحتاج إلى أطر وتجهيزات وخدمات تستوعب المرضى.
وتظهر الفكرة نفسها في التعليم، من خلال المجانية الفعلية، وتعميم التعليم الأولي، والنقل والإطعام المدرسيين، والدعم التربوي داخل المؤسسة.
ويحدد البرنامج سقفا مستهدفا من 24 تلميذا في أقسام الابتدائي والأولي بحلول 2029، و30 في الثانوي بحلول 2031.
وفي الجامعة، يقترح توظيف عشرة آلاف أستاذ باحث إضافي، وتحسين المنح والإيواء، وتمويل ثلاثة آلاف عقد دكتوراه سنويا.
هذه الالتزامات تمنح التقييم معايير ملموسة، لكنها تحتاج إلى تزامن التوظيف مع توسيع البنيات وتكوين الأطر.
وفي السكن، يطرح التحالف بناء وتدبير مائة ألف وحدة عمومية للكراء الاجتماعي عند نهاية الولاية، غير قابلة للبيع، بكراء لا يتجاوز خمس دخل الأسرة.
ويكمل ذلك بضرائب على السكن الشاغر والمضاربة، وتعبئة العقار العمومي.يحاول هذا الاختيار إنشاء رصيد سكني يبقى متاحا للتأجير عبر الزمن.
وسيكون موقع الوحدات وقربها من العمل والنقل والمرافق جزءا أساسيا من نجاحه، إلى جانب كلفة البناء وصيانة المساكن وعدالة إسنادها.وتحضر الرعاية باعتبارها خدمة وفرصة تشغيل معا.
فالبرنامج يقترح ثلاثة آلاف دار حضانة عمومية، ومنحة ولادة من خمسة آلاف درهم، وعطلة أمومة من عشرين أسبوعا وأبوة من أربعة أسابيع، إلى جانب إصلاحات للمساواة وحماية النساء من العنف.
كما يقترح معاشا اجتماعيا للمسنين فوق 65 سنة المستبعدين من أنظمة التقاعد، يتدرج إلى 1500 درهم شهريا لفائدة 1.2 مليون مستفيد في أفق 2031. ويمنح الأشخاص في وضعية إعاقة حقا في تعويض للاستقلالية، مع توسيع المساعدة والولوجيات.
بهذا، يربط التحالف المساواة بالخدمات التي تسمح للنساء بالعمل، وتخفف أعباء رعاية الأطفال والمسنين والأشخاص المحتاجين للمساعدة داخل الأسر.
وفي الفلاحة والماء، يمنح الأولوية للإنتاج الغذائي المحلي والفلاحين الصغار، ويدعو إلى وقف دعم الزراعات شديدة الاستهلاك للماء في الأحواض الواقعة تحت إجهاد حرج، وتقنين الضخ الجوفي، وضمان الحصة الحيوية للأسر.
أما استعادة التكرير، فيقترح لها تأسيس شركة وطنية وتقديم عرض لشراء أصول «سامير» عبر المسطرة القضائية، مع تمويل يجمع تخصيص جزء من ضريبة استهلاك المحروقات وقرضا وطنيا طاقيا.
ويتطلب هذا الرهان حسم الاقتناء وكلفة التأهيل وشروط الاستغلال، قبل احتساب عائد التكرير موردا متحققا.
وفي السياسة الخارجية، يجمع البرنامج بين الدفاع عن الوحدة الترابية والحكم الذاتي، وإحياء التعاون المغاربي، وتمثيل مغاربة العالم عبر دوائر بالخارج، والمطالبة بوقف التطبيع وإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل.
ويصل ذلك بتوسيع الرقابة البرلمانية على الاتفاقيات الاستراتيجية.يبقى التمويل الاختبار الجامع لهذه الالتزامات.
وتضع الوثيقة مسارا يبدأ بتعبئة 36 مليار درهم سنة 2027، ليصل إلى 162 مليارا سنويا في 2031، بمجموع تراكمي من 500 مليار خلال خمس سنوات.
ولا يأتي الغلاف كله من ضرائب جديدة. فهو يجمع بين جبائية الثروة والمداخيل الكبرى، وإلغاء إعفاءات، ومحاربة الغش، وترشيد النفقات، وإعادة توجيه اعتمادات قائمة، وعوائد متوقعة للنشاط الاقتصادي والمؤسسات العمومية.
وتقترح الوثيقة ضريبة تصاعدية على الثروة الشاملة في السنة الثالثة، بعد إحداث سجل للممتلكات، وتقر بأن تقدير مردوديتها يظل استشرافيا.
كما تعتمد هامش احتياط في تقدير الموارد، وتحسب كلفة التخلي عن مداخيل تفويت مساهمات الدولة.
لكن تأكيدها تمويل المشروع بالعدالة الجبائية دون مزيد من الاقتراض يحتاج إلى تدقيق: جدول الموارد يدرج 12.5 مليار درهم من السماح بعجز قدره أربعة في المائة بدل ثلاثة.
فالخطة توسع هامش العجز أيضا، ولا تعتمد على إعادة التوزيع وحدها.وتحتاج النسخة إلى توحيد بعض أرقامها.
فجدول الصحة يضع هدف تحويل 50 في المائة من تدفقات التأمين إلى العمومي في 2031، بينما ترفعه خلاصة الفصل إلى 60 في المائة.
وأظهر تدقيق أجرته «المحيط» أن البرنامج يتضمن نسبة غير دقيقة لحصة الصحة والتعليم من الغلاف المالي المقترح لسنة 2031.
فقد خصص لهما تحالف اليسار 43 مليار درهم من أصل 162 مليارا لمجموع التزاماته، وهو ما يعادل نحو 26.5 في المائة، بينما أورد الجدول نسبة 34.4 في المائة.
ويتعلق التفاوت بالنسبة المعلنة، وليس بمجموع المبالغ المرصودة للقطاعين.وتتعهد الوثيقة بتقارير تنفيذ منشورة ومرصد مستقل وتبرير علني للالتزامات المتأخرة.
كما تحدد، عند نقص الموارد، أولوية حماية الصحة والتعليم ودخل المسنين ومسار الأجر الأدنى، مقابل إبطاء برامج أخرى.
يمنح هذا التفصيل الناخب أدوات للمساءلة. غير أن صدقية البرنامج ستتوقف على قدرة التحالف على توحيد أرقامه، وإثبات قابلية موارده للتحصيل، وربط الإصلاح السياسي بإنجازات اجتماعية يمكن بلوغها في آجال محددة.
فالتحول الذي يعد به واسع، والاختبار في مقدار ما يستطيع تحويله إلى دخل وخدمة وحق يمارس فعلا.


