بين هرمز وباب المندب.. النفط يدخل كماشة جيوسياسية جديدة

لم تعد معركة الطاقة في الشرق الأوسط تدور حول مضيق هرمز وحده.

فبينما تراجعت تدفقات النفط عبر الممر الذي يفصل إيران عن سلطنة عمان، بدأت الضفة الأخرى من شبه الجزيرة العربية تدخل دائرة الخطر.

تقدم الحوثيين قرب باب المندب، بالتزامن مع تعرض خط شرق-غرب السعودي لهجوم بطائرات مسيرة، يضع شبكة نقل الطاقة أمام اختبار جديد. فالبحر الأحمر كان جزءا من الحل لتخفيف الضغط الناتج عن اضطراب هرمز.

المشكلة إذن ليست ظهور بؤرة توتر ثانية فقط، بل أن الطريق البديل أصبح بدوره أكثر عرضة للمخاطر. وهنا تنتقل الأزمة من مضيق واحد إلى شبكة كاملة لنقل الطاقة، وتبدأ ملامح كماشة جيوسياسية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.

حين يصبح البديل جزءا من المشكلة

قبل اندلاع الحرب، كان مضيق هرمز يحمل أكثر من 20 مليون برميل يوميا من النفط والسوائل البترولية، بما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي. لكن الاضطرابات خفضت هذه التدفقات بصورة حادة.

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى هبوط الكميات العابرة من هرمز إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميا خلال الربع الثاني من 2026، بعدما بلغت 21.6 مليون برميل يوميا في الربع الأخير من 2025.

هذا التحول رفع القيمة الاستراتيجية لكل طريق قادر على تجاوز المضيق. ومن هنا برز خط شرق-غرب السعودي، الذي يعبر المملكة من مناطق الإنتاج الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، باعتباره أحد أهم صمامات الأمان في شبكة تصدير النفط الخليجي.

لكن تعرض الخط لهجوم أدى إلى إغلاقه مؤقتا كشف نقطة ضعف أعمق. فتجاوز هرمز لا يعني تجاوز الخطر إذا كان النفط المنقول غربا يدخل بدوره منطقة بحرية تتصاعد فيها المخاطر.

باب المندب يتحول من ممر بديل إلى نقطة ضغط

تكشف حركة النفط حجم التحول. فقد ارتفعت التدفقات عبر باب المندب إلى نحو 8.1 ملايين برميل يوميا خلال الربع الثاني من 2026، مقابل نحو 3.9 ملايين في الربع الأول من 2025، وفق بيانات الطاقة الأمريكية.

المعادلة واضحة: كلما أصبح هرمز أكثر صعوبة، ارتفعت قيمة الطريق الغربي عبر البحر الأحمر. وهذا تحديدا ما يمنح التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن بعدا يتجاوز حدود الحرب الداخلية.

فتقدم الحوثيين على الساحل اليمني ووصولهم إلى مواقع استراتيجية قرب باب المندب يعني أن ممرا اكتسب أهميته بوصفه جزءا من الحل أصبح بدوره داخل الحسابات العسكرية.

ولا يتطلب تعطيل التجارة إغلاق المضيق بالكامل. يكفي ارتفاع مستوى المخاطر حتى ترتفع أقساط التأمين، وتتردد شركات الشحن في المرور، أو تختار بعض السفن طرقا أطول وأكثر كلفة.

إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيقين

سيكون من المبالغة القول إن إيران تسيطر على هرمز وباب المندب معا. لكن طهران لا تحتاج إلى هذه السيطرة حتى تستفيد استراتيجيا من الوضع الجديد.

في هرمز، تمنح الجغرافيا إيران قدرة مباشرة على التأثير في الملاحة. وعلى الضفة الأخرى، يشكل الحوثيون حليفا لطهران يمتلك قدرة على التأثير في جزء حساس من ساحل البحر الأحمر.

هنا تتغير طبيعة القوة. فلم يعد المطلوب إغلاق ممر بحري بصورة كاملة، بل يمكن أن يكون جعل المرور عبره أكثر خطورة وكلفة وأقل قابلية للتوقع كافيا لإحداث أثر اقتصادي وسياسي كبير.

وبهذا تتحول الممرات البحرية من مجرد طرق لعبور الناقلات إلى أوراق ضغط. وكلما ارتفعت كلفة ضمان أمنها، ازدادت قدرتها على التأثير في حسابات الدول المستوردة والمصدرة للطاقة على السواء.

عندما يدفع الاقتصاد ثمن الجغرافيا

بدأت أسواق الطاقة بالفعل في احتساب جزء من هذه المخاطر، لكن سعر البرميل لا يروي القصة كاملة. فهناك أيضا كلفة السفينة والتأمين ومدة الرحلة والطريق الذي ستسلكه للوصول إلى وجهتها.

وهذا يعني أن النفط يمكن أن يصبح أكثر كلفة حتى من دون انخفاض مماثل في الإنتاج. فالأزمة تتحول تدريجيا من سؤال عن كمية النفط الموجودة في السوق إلى سؤال عن القدرة على إيصالها بأمان وبكلفة مقبولة.

وإذا اضطرت السفن إلى تجنب مناطق الخطر أو الانتظار أو تغيير مساراتها، ترتفع الكلفة قبل وصول البرميل إلى المستهلك النهائي. ومن هنا تنتقل الجغرافيا السياسية إلى التضخم والنقل وأسعار السلع.

هذه النقطة تحديدا تجعل هرمز وباب المندب أكبر من ملف عسكري. فاضطراب ممر بحري في الشرق الأوسط يمكن أن يظهر لاحقا في فاتورة شركة نقل أو مصنع أو مستهلك يبعد آلاف الكيلومترات عن المنطقة.

لماذا يهم هذا دولا عربية بينها المغرب؟

تختلف التداعيات بين الاقتصادات العربية. فالدول الخليجية المصدرة للنفط يمكن أن تستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنها تواجه في المقابل مخاطر أكبر على طرق التصدير وتكاليف أعلى للتأمين والحماية.

أما مصر، فتواجه حساسية مختلفة بسبب ارتباط حركة قناة السويس بما يحدث في باب المندب والبحر الأحمر. وكل تراجع طويل في حركة السفن على هذا المحور يمكن أن يضغط على إيرادات القناة وعلى تدفقات العملة الصعبة.

وفي الدول العربية المستوردة للطاقة، ومنها المغرب وتونس والأردن ولبنان، تأتي المخاطر أساسا من فاتورة الطاقة. لكن دائرة التأثير قد تتسع مع ارتفاع أسعار الشحن والتأمين لتصل إلى سلع أخرى مستوردة.

بالنسبة إلى المغرب، لا يشترط أن تصل وارداته النفطية مباشرة عبر هرمز حتى يتأثر. فالنفط سلعة عالمية، وأي اضطراب كبير في إمداداته أو نقله ينعكس على الأسعار الدولية التي تشتري بها المملكة حاجياتها.

كما أن المغرب يقع عند الطرف الغربي لطريق تجاري يصل آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر والمتوسط. وإذا اضطرت السفن إلى استخدام مسارات أطول، فإن جزءا من كلفة الاضطراب يمكن أن ينتقل إلى التجارة والشحن في المنطقة بأكملها.

الكماشة الحقيقية هي غياب البديل الآمن

بني جزء مهم من أمن الطاقة الخليجي على فكرة وجود بدائل. فإذا تعطلت الملاحة عبر هرمز، يمكن استخدام خطوط أنابيب تصل إلى البحر الأحمر أو بحر العرب، وإذا ارتفعت المخاطر في طريق بحري يمكن تحويل السفن إلى آخر.

لكن التطورات الحالية تكشف حدود هذه الاستراتيجية. فإذا أصبح خط الأنابيب نفسه هدفا، وأصبح البحر الذي يصل إليه النفط منطقة مرتفعة المخاطر، تتراجع قيمة البديل الآمن.

هذا لا يعني أن النفط سيتوقف عن الوصول إلى الأسواق. لكنه يعني أن الوصول قد يحتاج إلى وقت أطول وتأمين أغلى وحماية أكبر ومسارات أكثر تعقيدا.

ولهذا لا تكمن خطورة هرمز وباب المندب في احتمال إغلاقهما الكامل فقط. الخطر الأعمق هو أن يصبح المرور عبرهما غير مستقر بما يكفي لتحويل الجغرافيا إلى تكلفة إضافية مستمرة على الاقتصاد العالمي.

وهذه، أكثر من إغلاق أي مضيق منفرد، هي الكماشة الجيوسياسية الجديدة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img