في إطار ملف «عين على 23 شتنبر»، وبعد قراءة مواقع التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، تصل «المحيط» إلى الاتحاد الدستوري، سابع قوة سياسية في انتخابات 2021 بحصوله على 18 مقعدا.
يدخل حزب «الحصان» انتخابات 2026 بمعادلة تبدو أكثر تعقيدا من مجرد الدفاع عن هذا الرصيد. فقد تغيرت قيادته منذ الانتخابات الماضية، وغادره عدد من المنتخبين، والتحقت به في المقابل أسماء قادمة من أحزاب أخرى، بينما يخوض السباق هذه المرة بـ74 لائحة محلية فقط من أصل 92 دائرة.
وبين ما فقده الحزب وما استقطبه، سيكون السؤال يوم 23 شتنبر واضحا: هل يستطيع الاتحاد الدستوري الحفاظ على موقعه السابع، أم أن التحولات التي عرفها خلال خمس سنوات ستعيد رسم حجمه داخل مجلس النواب؟
18 مقعدا.. نقطة الانطلاق
أنهى الاتحاد الدستوري انتخابات 2021 في المركز السابع بـ18 مقعدا من أصل 395، خلف التقدم والاشتراكية الذي حصل على 22 مقعدا، ومتقدما على العدالة والتنمية الذي اكتفى بـ13 مقعدا.
لكن وزن الحزب يتجاوز تمثيله البرلماني وحده.
ففي الانتخابات الجماعية لسنة 2021، حصل الاتحاد الدستوري على 1626 مقعدا، ما وفر له شبكة من المنتخبين المحليين يمكن أن تشكل جزءا من قاعدته في انتخابات تشريعية تلعب فيها العلاقات المحلية دورا أساسيا.
غير أن السنوات الخمس التي فصلت بين الاقتراعين غيرت جزءا من هذه الخريطة، وأصبح الحزب مطالبا بخوض الانتخابات بقيادة جديدة وأسماء جديدة في عدد من الدوائر.
جودار أمام أول اختبار تشريعي
انتخب محمد جودار أمينا عاما للاتحاد الدستوري سنة 2022 خلفا لمحمد ساجد.
وبذلك يخوض انتخابات 23 شتنبر أول استحقاق تشريعي وهو على رأس الحزب، ما يجعل النتيجة أيضا اختبارا للمسار التنظيمي الذي قاده خلال السنوات الأربع الماضية.
واختار جودار أن يدخل المنافسة بنفسه من الدار البيضاء، حيث أكد الحزب ترشحه بدائرة ابن امسيك، فيما دفع بإبراهيم النعناعي في دائرة الفداء مرس السلطان.
ويمنح ذلك الدار البيضاء مكانة خاصة في حسابات الاتحاد الدستوري، خصوصا مع وجود أسماء أخرى اختار الحزب الرهان عليها في عدد من دوائر العاصمة الاقتصادية.
74 دائرة من أصل 92
تكشف أرقام الترشيحات عن حدود الانتشار الانتخابي للحزب مقارنة بالقوى التي سبقته في ترتيب 2021.
فقد قدم الاتحاد الدستوري 74 لائحة في الدوائر الانتخابية المحلية، تضم 256 مترشحا ومترشحة، مقابل حضوره في الدوائر الجهوية الاثنتي عشرة بـ90 مترشحة.
وبذلك لا يغطي الحزب الدوائر المحلية الـ92 كاملة.
وتصبح المقارنة أكثر دلالة عند وضع الرقم إلى جانب الأحزاب التي قدمت لوائح في جميع الدوائر المحلية، فيما قدم الاتحاد الاشتراكي 90 لائحة والحركة الشعبية 86.
هذا الانتشار يعني أن الاتحاد الدستوري يدخل السباق الوطني من خريطة أضيق، ما يجعل قدرته على تحويل الدوائر التي اختار خوضها إلى مقاعد عاملا أساسيا في حصيلته النهائية.
الدار البيضاء.. مختبر إعادة البناء
تبدو الدار البيضاء واحدة من أبرز ساحات اختبار هذه الاستراتيجية.
فإلى جانب محمد جودار في ابن امسيك وإبراهيم النعناعي في الفداء مرس السلطان، دفع الحزب بأسماء استقطب بعضها من تنظيمات سياسية أخرى.
في عين الشق، يراهن الاتحاد الدستوري على عبد اللطيف الناصري، الذي سبق أن خاض تجارب سياسية داخل العدالة والتنمية ثم التجمع الوطني للأحرار، قبل أن ينتقل إلى حزب «الحصان».
وفي سيدي البرنوصي، عمل الحزب خلال الأشهر الماضية على إعادة بناء تنظيمه المحلي، وانتخب هشام شبورة كاتبا إقليميا للحزب.
لكن الرهان الأكثر إثارة للاهتمام يوجد في أنفا.
كنزة الشرايبي.. رهان «الحصان» في أنفا
في واحدة من أبرز عمليات الانتقال السياسي التي سبقت الانتخابات، غادرت كنزة الشرايبي حزب الأصالة والمعاصرة والتحقت بالاتحاد الدستوري، الذي منحها تزكية قيادة لائحته في دائرة أنفا.
الشرايبي ليست اسما جديدا على المشهد المحلي في قلب الدار البيضاء. فهي رئيسة مجلس مقاطعة سيدي بليوط، وتدخل السباق البرلماني مستندة إلى تجربة في التدبير المحلي داخل واحدة من أهم مقاطعات العاصمة الاقتصادية.
لكن انتقالها يحمل مفارقة انتخابية أخرى.
فبينما استقطب الاتحاد الدستوري الشرايبي من الأصالة والمعاصرة، انتقل محمد العلوي المحمدي، الذي سبق أن قاد لائحة «الحصان» في أنفا، في الاتجاه المعاكس والتحق بالأصالة والمعاصرة.
وهكذا تقدم دائرة أنفا نموذجا مصغرا لحركة إعادة توزيع المرشحين بين الأحزاب عشية انتخابات 2026.
وتدخل الشرايبي منافسة تضم أسماء ذات حضور سياسي ومحلي، بينها محمد شباك عن التجمع الوطني للأحرار، وحسان البركاني عن الاستقلال، وعبد الصمد حيكر عن العدالة والتنمية، ونجوى كوكوس عن الأصالة والمعاصرة، ونبيلة منيب عن تحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي، ولطيفة الشريف عن الاتحاد الاشتراكي، ومحمد بنموسى عن التقدم والاشتراكية.
لذلك لن تكون نتيجة الاتحاد الدستوري في أنفا مجرد نتيجة دائرة محلية، بل اختبارا لمدى قدرة الحزب على تحويل استقطاب شخصية محلية معروفة إلى رصيد انتخابي.
الترحال في الاتجاهين
ولا تقتصر قصة الاتحاد الدستوري في انتخابات 2026 على ما يجري في الدار البيضاء.
فخلال الولاية المنتهية، شهد الحزب تحركات لعدد من المنتخبين والأسماء التي ارتبطت به، في سياق «ميركاتو» سياسي شمل مختلف الأحزاب قبل إغلاق باب الترشيحات.
وهنا تظهر إحدى نقاط ضعف الأحزاب المتوسطة داخل الخريطة البرلمانية.
فالحزب الذي ينطلق من 18 مقعدا تكون خسارة مقعدين أو ثلاثة من قواعده السابقة أكثر تأثيرا في حصيلته من حزب ينطلق من كتلة تتجاوز 80 أو 100 نائب.
لكن الاتجاه لم يكن واحدا.
فكما فقد الاتحاد الدستوري أسماء، استقطب أخرى، وتبرز حالتا كنزة الشرايبي وعبد اللطيف الناصري ضمن أبرز الأمثلة في الدار البيضاء.
ولهذا لا يمكن قراءة موقع الحزب سنة 2026 انطلاقا من لائحة نواب 2021 وحدها، بل من ميزان ما خسره وما استطاع تعويضه.
«مغرب بسرعة واحدة»
برامجيا، يدخل الاتحاد الدستوري الانتخابات تحت شعار «مغرب بسرعة واحدة»، وهو البرنامج الذي سبق لـ«المحيط» أن خصص له قراءة مستقلة.
ويحاول الحزب من خلاله إعادة تقديم هويته الليبرالية بصيغة اجتماعية، تجمع بين تشجيع الاستثمار والمقاولة وحرية المبادرة، وبين دور الدولة في تقليص الفوارق وضمان الخدمات الأساسية.
ويضع التشغيل والقدرة الشرائية في مقدمة أولوياته، إلى جانب التعليم والصحة والاستثمار والتحول الرقمي.
لكن اختبار 23 شتنبر لن يقيس البرنامج وحده.
ففي الانتخابات التشريعية، تتداخل قوة العرض السياسي مع قوة المرشح والتنظيم المحلي والقدرة على تغطية الدوائر وتحويل الحضور الجماعي إلى أصوات برلمانية.
ثلاثة سيناريوهات أمام «الحصان»
قبل فتح صناديق الاقتراع، يمكن قراءة موقع الاتحاد الدستوري من خلال ثلاثة سيناريوهات وصفية، دون افتراض أي منها مسبقا.
السيناريو الأول: تحسين رصيد 2021.
يتحقق هذا المسار إذا تمكن الحزب من الحفاظ على جزء كبير من دوائره السابقة، وفي الوقت نفسه تحويل استقطاباته الجديدة إلى مقاعد إضافية. وستكون دوائر الدار البيضاء، ومنها أنفا وعين الشق وابن امسيك، من المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس أثر استراتيجية التجديد التي اعتمدها الحزب.
السيناريو الثاني: الحفاظ على الحجم البرلماني.
في هذه الحالة، تعوض المقاعد الجديدة تلك التي قد يخسرها الحزب نتيجة الترحال أو تغير موازين القوى داخل بعض دوائره التقليدية. وسيعني ذلك بقاء الاتحاد الدستوري قريبا من رصيده السابق البالغ 18 مقعدا، مع تغير محتمل في الجغرافيا والأسماء التي تشكل كتلته البرلمانية.
السيناريو الثالث: تراجع التمثيل.
يمكن أن يحدث إذا لم تنجح الاستقطابات الجديدة في تعويض المقاعد التي أصبحت أكثر تنافسية، أو إذا انعكس عدم تغطية جميع الدوائر المحلية على الحصيلة الوطنية للحزب.
وبين السيناريوهات الثلاثة، يبقى الرقم 18 هو نقطة القياس الأساسية ليلة 23 شتنبر.
فالاتحاد الدستوري لا يخوض هذه الانتخابات فقط للدفاع عن موقعه السابع، بل لاختبار عملية إعادة بناء قادها محمد جودار منذ 2022، وجمعت بين إعادة الهيكلة التنظيمية واستقطاب مرشحين جدد ومحاولة استعادة حضور حزب كان في مراحل سابقة من القوى الرئيسية في الخريطة السياسية المغربية.
وستكشف النتائج إلى أي حد استطاع «الحصان» تحويل هذه التحركات إلى مقاعد داخل البرلمان.


