انتخابات 2026 تكشف فجوة الأجيال.. الشباب 4% فقط من الناخبين

قبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، تكشف الأرقام الرسمية للهيئة الناخبة عن خريطة اجتماعية وديمغرافية لافتة، يتصدرها ضعف حضور أصغر الناخبين في اللوائح، مقابل وزن أكبر للفئات العمرية المتقدمة.

ويبلغ العدد الإجمالي للمسجلين في اللوائح الانتخابية 15 مليونا و801 ألفا و162 ناخبا وناخبة، موزعين بين مختلف جهات المملكة، سيتوجهون الأربعاء لاختيار أعضاء مجلس النواب الجديد.

لكن داخل هذا الرقم الإجمالي تظهر تفاوتات مهمة بين الأجيال وبين الرجال والنساء، وكذلك بين الوسطين الحضري والقروي.

4 في المائة فقط

الفئة التي تتراوح أعمارها بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى 4 في المائة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية.

وبالحساب التقريبي، تعادل هذه النسبة نحو 632 ألف ناخب وناخبة فقط من أصل أكثر من 15.8 مليون مسجل.

وترتفع النسبة لدى الفئة بين 25 و34 سنة إلى حوالي 15 في المائة، أي ما يقارب 2.37 مليون مسجل.

وتتسع قاعدة الناخبين أكثر كلما انتقلنا إلى الفئات العمرية الأعلى، إلى أن نصل إلى الفئة البالغة 60 سنة فما فوق، التي تستحوذ وحدها على أكثر من 29 في المائة من الهيئة الناخبة.

وهذا يعني أن عدد المسجلين في هذه الفئة يتجاوز 4.5 ملايين ناخب وناخبة، أي أكثر من سبعة أضعاف عدد المسجلين بين 18 و24 سنة.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الفئات الأكبر سنا ستحدد بمفردها نتائج الانتخابات، لأن الوزن الفعلي لأي فئة يتوقف أيضا على نسبة مشاركتها يوم الاقتراع، وتوزيعها بين الدوائر الانتخابية، وتنوع اختياراتها السياسية.

لكن الأرقام تكشف بوضوح أن أصغر الناخبين يدخلون انتخابات 2026 بوزن محدود داخل اللوائح.

جيل كبير خارج اللوائح

تزداد أهمية الرقم عند مقارنته بالوزن الديمغرافي للشباب داخل المجتمع المغربي.

فالفئة بين 18 و24 سنة تمثل نحو 12 في المائة من سكان المغرب، بحسب تقديرات أوردتها وكالة أسوشيتد برس، لكنها لا تشكل سوى 4 في المائة من الناخبين المسجلين.

وهنا ينبغي التمييز بين التسجيل والمشاركة.

فالرقم لا يعني أن 96 في المائة من الشباب سيقاطعون الانتخابات، وإنما يعني أن نسبة كبيرة من هذه الفئة العمرية لا تظهر أصلا داخل قاعدة الناخبين المسجلين.

فبلوغ سن التصويت لا يؤدي تلقائيا إلى إدراج المواطن في اللوائح الانتخابية، وإنما يتطلب التسجيل وفق المساطر والآجال المحددة.

وتفتح هذه الفجوة سؤالا يتجاوز انتخابات الأربعاء: لماذا لا يتحول الوزن الديمغرافي الكبير للشباب إلى وزن مماثل داخل الهيئة الناخبة؟

النساء يقتربن من نصف الهيئة الناخبة

وتظهر الخريطة الانتخابية تفاوتا آخر يتعلق بالنوع الاجتماعي.

فالرجال يمثلون 52 في المائة من مجموع الناخبين المسجلين، مقابل 48 في المائة للنساء.

وبالأرقام التقريبية، يتعلق الأمر بنحو 8.2 ملايين رجل مقابل حوالي 7.6 ملايين امرأة.

والفارق بين الجنسين أقل بكثير من الفارق المسجل بين الفئات العمرية، ما يجعل النساء كتلة أساسية داخل الهيئة الناخبة المغربية.

لكن الوزن العددي للنساء داخل اللوائح لا يعني بالضرورة وزنا مماثلا داخل المؤسسات المنتخبة.

فهناك فارق بين نسبة النساء بين الناخبين وبين حضورهن كمرشحات ثم كنائبات داخل مجلس النواب، وهو ما يجعل انتخابات 2026 اختبارا آخر لمدى انعكاس التحولات الاجتماعية والديمغرافية على التمثيل السياسي.

المدينة تزن أكثر

ويظهر توزيع المسجلين أيضا أن الناخبين في الوسط الحضري يمثلون نحو 56 في المائة من الهيئة الناخبة، مقابل 44 في المائة في الوسط القروي.

أي أن أكثر من نصف المسجلين يوجدون في المدن، في انعكاس للتحولات الديمغرافية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة وتزايد الوزن السكاني للمجالات الحضرية.

لكن الوزن الانتخابي للمجال القروي يظل مهما، خصوصا أن طبيعة المشاركة والتنافس الانتخابي تختلف من دائرة إلى أخرى، ولا يمكن اختزال تأثير الوسطين الحضري والقروي في نسبتهما من مجموع المسجلين فقط.

جيل حاضر خارج الصندوق

تبقى المفارقة الأكبر مرتبطة بالشباب.

فهذا الجيل حاضر بقوة في النقاش العمومي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والنقاش حول التشغيل والتعليم والصحة والسكن والقدرة الشرائية.

وظهر ذلك بوضوح خلال احتجاجات جيل Z التي شهدها المغرب سنة 2025، حين تحولت مجموعة من المطالب الاجتماعية إلى نقاش وطني واسع قاده جزء كبير منه شباب يستخدمون المنصات الرقمية للتعبير والتنظيم.

وبعد نحو عام، عادت القضايا نفسها إلى قلب الحملة الانتخابية.

فالتشغيل والحماية الاجتماعية والسكن وتحسين الخدمات العمومية ودعم القدرة الشرائية حضرت بدرجات متفاوتة في برامج وخطابات الأحزاب المتنافسة.

كما حاولت الأحزاب الاقتراب من الأجيال الجديدة باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وتقديم مرشحين شباب، وتكثيف المحتوى الرقمي خلال الحملة.

لكن الأرقام تشير إلى أن التحدي يبدأ قبل إقناع الشاب بالتصويت لهذا الحزب أو ذاك: يبدأ بإدخاله أصلا إلى الهيئة الناخبة.

البطالة في قلب المعادلة

وتكتسب علاقة الشباب بالانتخابات بعدا اقتصاديا أيضا.

فمعدل البطالة لدى الفئة بين 15 و24 سنة بلغ 37.2 في المائة خلال سنة 2025، مقابل معدل عام للبطالة في حدود 13 في المائة.

ويعني ذلك أن أكثر من ثلث الشباب النشطين في هذه الفئة العمرية كانوا بدون عمل، ما يجعل التشغيل والدخل والاستقلال الاقتصادي من أكثر القضايا التصاقا بحياتهم اليومية.

ويضاف إلى ذلك ارتفاع كلفة السكن وضغوط القدرة الشرائية وصعوبة الانتقال من الدراسة إلى سوق العمل بالنسبة إلى جزء من الخريجين.

ولهذا لا يتعلق السؤال الانتخابي بالنسبة إلى الشباب بالمشاركة السياسية وحدها، بل أيضا بمدى قدرة المؤسسات والسياسات العمومية على تقديم أجوبة ملموسة عن مشكلات اجتماعية واقتصادية تمس هذه الفئة بصورة مباشرة.

من سيختار مجلس النواب؟

وتكتسب هذه الخريطة الديمغرافية أهمية أكبر بالنظر إلى حجم المنافسة في انتخابات 2026.

فبحسب المعطيات الرسمية، يتنافس 7288 مرشحا ومرشحة على 395 مقعدا في مجلس النواب.

لكن هؤلاء المرشحين لا يتوجهون إلى مجتمع مصغر يعكس بالضرورة التركيبة العمرية للسكان.

فالهيئة التي ستختار مجلس النواب أكبر سنا من المجتمع المغربي نفسه، فيما تظل أصغر الفئات المؤهلة للتصويت محدودة الحضور داخل اللوائح.

وفي المقابل، تقترب النساء من نصف المسجلين، وتستحوذ المدن على أكثر من نصف الهيئة الناخبة، بينما يحتفظ الوسط القروي بوزن انتخابي مهم.

هذه المعطيات لا تسمح وحدها بتوقع اتجاه التصويت أو النتائج، لكنها تقدم صورة أوضح عن المجتمع الانتخابي الذي ستتنافس الأحزاب على أصواته.

اختبار 23 شتنبر

لهذا لن تكون نسبة المشاركة الإجمالية الرقم الوحيد الذي يستحق المتابعة مساء الأربعاء.

سيكون من المهم أيضا معرفة حجم مشاركة الشباب والنساء، وكيف توزعت المشاركة بين المدن والقرى، ومدى قدرة المرشحين الأصغر سنا والنساء على تحويل الحضور داخل اللوائح والترشيحات إلى تمثيل داخل مجلس النواب.

وستكشف النتائج لاحقا ما إذا كانت التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي تجد انعكاسا مماثلا داخل المؤسسة التشريعية.

أما عشية الاقتراع، فالمفارقة الأوضح تبقى عمرية: جيل الشباب حاضر بقوة في القضايا التي تحدد مستقبل المغرب وفي النقاش الدائر حولها، لكنه يدخل انتخابات 23 شتنبر بوزن محدود داخل الهيئة الناخبة التي ستختار مجلس النواب المقبل.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img