التضخم يهبط والنمو يتباطأ.. ماذا يرى بنك المغرب خلف الأرقام؟

اختار بنك المغرب تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25 في المائة، الثلاثاء، لكن الرقم الأهم في اجتماعه الفصلي الثالث لم يكن سعر الفائدة، بل التغيير الملحوظ في صورة الاقتصاد المغربي خلال الأشهر الأخيرة.

فالبنك المركزي خفض توقعه لنمو الاقتصاد خلال 2026 إلى 4.4 في المائة، بعدما كان ينتظر في يونيو نموا في حدود 5.2 في المائة، في الوقت الذي خفض فيه توقعه للتضخم إلى 0.7 في المائة فقط.

وتكشف هذه الأرقام مفارقة اقتصادية لافتة: الأسعار تهدأ بصورة كبيرة، والموسم الزراعي يسجل انتعاشا قويا، لكن الاقتصاد ككل ينمو بوتيرة أقل مما كان متوقعا قبل ثلاثة أشهر.

فأين يوجد الخلل؟

الفلاحة تنتعش والصناعة تتباطأ

جزء كبير من تفسير المراجعة الجديدة يوجد خارج القطاع الفلاحي .

ويتوقع بنك المغرب ارتفاع القيمة المضافة الزراعية بنحو 16 في المائة هذه السنة، مستفيدة من محصول حبوب يقدر بنحو 93 مليون قنطار.

لكن الصورة أقل إيجابية في بقية الاقتصاد.

فالأنشطة غير الزراعية، التي نمت بنحو 4.5 في المائة في 2025، يتوقع أن تتباطأ إلى 3.1 في المائة هذه السنة، بسبب أداء أقل من المتوقع في عدد من القطاعات، وفي مقدمتها الصناعات الاستخراجية والتحويلية.

وهذه نقطة أساسية لفهم توقعات البنك.

فالانتعاش الزراعي يستطيع دفع النمو بقوة خلال سنة جيدة من حيث التساقطات والمحاصيل، لكنه يبقى مرتبطا بعوامل مناخية ومتقلبة.

أما قدرة الاقتصاد على الحفاظ على نمو مستدام، فتتوقف بدرجة أكبر على الصناعة والخدمات والاستثمار والإنتاجية.

ولهذا يتوقع بنك المغرب أن يتراجع النمو إلى 2.9 في المائة في 2027، عندما تفترض توقعاته عودة محصول الحبوب إلى مستوى متوسط في حدود 50 مليون قنطار، وما يرافق ذلك من انخفاض القيمة المضافة الزراعية.

تضخم شبه غائب

على الجانب الآخر، تحمل الأرقام أخبارا أفضل بالنسبة إلى الأسعار.

فبعد ثمانية أشهر من 2026، لم يتجاوز متوسط التضخم 0.3 في المائة، ويتوقع بنك المغرب أن يستقر عند 0.7 في المائة في مجموع السنة، قبل أن يرتفع إلى 1.5 في المائة في 2027.

ويرتبط هذا التراجع خصوصا بانخفاض أسعار بعض المواد الغذائية، بما فيها زيت الزيتون.

واللافت أن هذا الهدوء في الأسعار يحدث رغم ارتفاع أسعار الطاقة عالميا.

فجزء من الصدمة الخارجية لم ينتقل بصورة كاملة إلى المستهلك المغربي، نتيجة استمرار دعم مهنيي النقل الطرقي والحفاظ على أسعار غاز البوتان والكهرباء.

لكن الصورة قد تتغير تدريجيا.

فبنك المغرب يتوقع ارتفاع التضخم الأساسي من مستوى سلبي يناهز 0.2 في المائة هذه السنة إلى 2.2 في المائة في 2027، مع تراجع أثر انخفاض أسعار الغذاء واستمرار جزء من التضخم المستورد.

فاتورة الطاقة تقفز

وتظهر إحدى أكبر نقاط الضغط على الاقتصاد المغربي في الحسابات الخارجية.

يتوقع بنك المغرب ارتفاع فاتورة الطاقة بنحو 28.4 في المائة خلال 2026، لتصل إلى 138.1 مليار درهم، بفعل ارتفاع أسعار المنتجات النفطية واضطرابات الإمدادات والنقل.

وينتظر أن يرتفع متوسط سعر خام برنت من 68.2 دولارا للبرميل في 2025 إلى 87.2 دولارا هذه السنة، قبل أن يتراجع إلى 73.5 دولارا في 2027.

وبالنسبة إلى المغرب، الذي يعتمد بصورة كبيرة على استيراد احتياجاته الطاقية، لا يبقى هذا التطور محصورا في سوق النفط.

ارتفاع الفاتورة يعني خروج عملة صعبة إضافية ويضغط على الميزان التجاري، بالتزامن مع استمرار استيراد كميات كبيرة من التجهيزات المرتبطة بالاستثمارات الجارية.

ونتيجة لذلك، يتوقع البنك المركزي اتساع عجز الحساب الجاري من 2.4 في المائة من الناتج الداخلي الخام في 2025 إلى 4.6 في المائة هذه السنة، قبل أن يتراجع إلى 3 في المائة في 2027.

لماذا لم يخفض بنك المغرب الفائدة؟

أمام تضخم متوقع عند 0.7 في المائة، قد يبدو السؤال منطقيا: لماذا لم يخفض بنك المغرب سعر الفائدة لدعم الاقتصاد؟

الجواب يوجد في حجم عدم اليقين الذي يحيط بالتوقعات.

فالبنك المركزي يرى اقتصادا محليا يتمتع بتضخم منخفض وانتعاش فلاحي وتحسن في سوق الشغل، لكنه يرى في الخارج صورة مختلفة: صراعات جيوسياسية، وارتفاعا في أسعار الطاقة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، ومخاطر تضخم مستورد.

لذلك اختار الإبقاء على سعر الفائدة عند 2.25 في المائة، مع التأكيد على أن قراراته المقبلة ستتخذ اجتماعا بعد اجتماع، وفقا لأحدث المعطيات.

وتشير بيانات سوق الشغل إلى خلق 406 آلاف وظيفة خلال سنة، مع تراجع معدل البطالة إلى 9.5 في المائة وطنيا، وإن ظل أعلى في المدن عند 11.9 في المائة.

وفي المقابل، يحتفظ المغرب بهامش أمان خارجي مهم، إذ يتوقع ارتفاع الاحتياطيات الرسمية إلى 502.8 مليار درهم بنهاية 2026، ثم 515.3 مليار درهم في 2027، بما يعادل نحو خمسة أشهر ونصف من واردات السلع والخدمات.

اقتصاد بسرعتين

تكشف توقعات بنك المغرب، في النهاية، اقتصادا يتحرك بسرعتين.

هناك فلاحة تنتعش بقوة وتضخم منخفض واحتياطيات خارجية مريحة نسبيا، في مقابل تباطؤ في الأنشطة غير الزراعية وارتفاع حاد في فاتورة الطاقة واتساع منتظر لعجز الحساب الجاري.

ولهذا ربما يكون الرقم الأكثر أهمية في اجتماع شتنبر ليس 2.25 في المائة، أي سعر الفائدة الذي لم يتغير.

إنه 3.1 في المائة، معدل النمو المتوقع للأنشطة غير الزراعية.

فقدرة الاقتصاد المغربي على الحفاظ على نمو قوي بعد انتهاء أثر الموسم الزراعي الجيد ستتوقف على ما إذا كانت الصناعة والخدمات والاستثمار قادرة على استعادة الزخم.

وهذا هو الاختبار الذي ستكشفه أرقام 2027 أكثر مما يكشفه قرار الفائدة اليوم.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img