لم يعد التهديد الذي يشكله الحوثيون على الملاحة في البحر الأحمر مجرد امتداد للحرب اليمنية، بل تحول إلى عنصر مؤثر في معادلة الأمن الإقليمي والتجارة الدولية. وفي قلب هذه المعادلة تبرز إيران، التي استطاعت، عبر سنوات من الدعم العسكري والتقني لجماعة أنصار الله، بناء قدرة غير مباشرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، الدكتور عبد الرحمن مكاوي، في قراءة خص بها «المحيط»، أن الرهان الإيراني في منطقة باب المندب لا يقوم بالضرورة على السيطرة العسكرية المباشرة على المضيق، بقدر ما يستند إلى امتلاك القدرة على تهديد الملاحة ورفع كلفتها، وتحويل الممر البحري إلى ورقة ضغط في الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها.
ويعتبر مكاوي أن هذه المقاربة تندرج ضمن استراتيجية عسكرية غير متماثلة، تعتمد على وسائل قتالية أقل تكلفة نسبيا لمواجهة قوى بحرية واقتصادية تتفوق على إيران وحلفائها من حيث الإمكانات العسكرية والتكنولوجية.
شبكة عسكرية تتجاوز الحوثيين
تستند هذه القراءة إلى تطور العلاقة بين إيران والحوثيين منذ سنوات، بعدما انتقل الدعم من مستويات التسليح والتدريب إلى نقل تقنيات مرتبطة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأنظمة المضادة للسفن.
وكانت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية قد أكدت، في تقرير صدر في فبراير 2024، أن فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قدم للحوثيين، منذ سنة 2014، أسلحة متطورة وتدريبا عسكريا، ما ساعدهم على تطوير قدراتهم الهجومية في البحر الأحمر والمنطقة.
ولا يعني هذا الدعم بالضرورة أن طهران تتحكم بصورة مباشرة في جميع قرارات الجماعة، إذ تحتفظ القيادة الحوثية بهياكلها السياسية والعسكرية وحساباتها المحلية، بينما توفر العلاقة مع إيران عناصر إضافية من القوة والتأثير الإقليمي.
ويلفت مكاوي، في مذكرته التحليلية التي توصلت بها «المحيط»، إلى أن المنظومة الداعمة للحوثيين لا تقتصر على الحرس الثوري، بل تشمل امتدادات وخبرات مرتبطة بشبكات عسكرية إقليمية، من بينها حزب الله اللبناني.
غير أن تحديد حجم الوجود المباشر لهذه العناصر داخل اليمن يظل من القضايا التي يصعب التحقق منها بصورة مستقلة، في ظل محدودية المعطيات الميدانية وطبيعة العمليات السرية المرتبطة بنقل المعرفة العسكرية والتجهيزات.
من الصواريخ إلى الزوارق المسيّرة
تكشف طبيعة الهجمات التي شهدها البحر الأحمر منذ نونبر 2023 عن تحول نوعي في القدرات العسكرية للحوثيين، الذين لم يعودوا يعتمدون حصريا على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أدخلوا إلى عملياتهم وسائل بحرية غير مأهولة.
وشملت الأسلحة المستخدمة صواريخ باليستية مضادة للسفن، وصواريخ مجنحة، وطائرات مسيّرة هجومية، فضلا عن زوارق مسيّرة محملة بالمتفجرات.
وتعززت المؤشرات على استمرار تدفق هذه التقنيات خلال يوليوز 2025، عندما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية مصادرة القوات اليمنية المناهضة للحوثيين شحنة أسلحة ضخمة، قالت إن مصدرها إيراني، تجاوز وزنها 750 طنا.
وضمت الشحنة، وفق المعطيات العسكرية الأمريكية، صواريخ ومكونات توجيه ومحركات طائرات مسيّرة وتجهيزات رادارية واتصالات، ما يعكس حجم الموارد اللازمة لاستمرار تطوير الترسانة الحوثية.
كما أظهر تقرير أممي صدر في أكتوبر 2025 أن شبكات الحصول على الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام المزدوج أصبحت أكثر تنوعا، مع استمرار محاولات تجاوز القيود المفروضة على توريد الأسلحة إلى الجماعة.
واللافت أن هذه القدرات لا تعكس مجرد استيراد وسائل قتالية جاهزة، بل تشير أيضا إلى تطور إمكانات التجميع والتعديل والتكيف التقني داخل اليمن، وإن ظل حجم التصنيع المحلي الفعلي محل نقاش بين المتخصصين.
باب المندب.. الضغط دون السيطرة
في قلب التحليل الذي يقدمه مكاوي تبرز أهمية الموقع الجغرافي لليمن، المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، والقريب من الممر الذي يربط المحيط الهندي بقناة السويس عبر باب المندب.
فالمضيق يمثل إحدى الحلقات الحيوية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبره ينعكس على زمن الرحلات البحرية وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد.
ويذهب مكاوي إلى أن القيمة الاستراتيجية للقدرات الحوثية لا تقاس فقط بعدد السفن التي تتعرض للهجوم، وإنما بالقدرة على فرض حسابات أمنية واقتصادية جديدة على شركات الملاحة والدول المعنية بحماية التجارة الدولية.
وتقترب هذه القراءة من مفهوم «منع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة»، المعروف عسكريا باختصار A2/AD، لكن بصيغة غير متماثلة تتلاءم مع إمكانات جماعة مسلحة لا تمتلك أسطولا بحريا تقليديا.
وفي هذه الحالة، لا تحتاج القوة المهاجمة إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة حتى تحقق أثرا استراتيجيا، إذ قد يكفي استمرار احتمال التعرض لهجوم لدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها أو تحمل تكاليف حماية إضافية.
وتؤكد المعطيات الأمريكية حجم هذا التهديد. ففي تحذير ملاحي صدر خلال شتنبر 2026، أفادت الإدارة البحرية الأمريكية بأن الحوثيين نفذوا أكثر من 100 هجوم منفصل على السفن التجارية بين نونبر 2023 وأكتوبر 2025، مست تلك الهجمات مصالح مرتبطة بأكثر من 60 دولة.
كما شهد يوليوز 2025 غرق سفينتي الشحن «ماجيك سيز» و«إيترنيتي سي» في البحر الأحمر عقب هجمات حوثية، في تطور كشف أن التهديد لا يقتصر على إرباك الملاحة، بل يمكن أن يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة.
معركة اقتصادية تتجاوز البحر الأحمر
لم تتوقف انعكاسات هذه الهجمات عند الجانب الأمني. فقد اضطرت شركات شحن إلى تحويل سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، بدلا من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وأوضحت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، في تقريرها حول النقل البحري لسنة 2025، أن اضطرابات البحر الأحمر ساهمت في إطالة مسافات النقل ورفع التكاليف التشغيلية، إلى جانب زيادة الضغط على سلاسل الإمداد الدولية.
وتبرز هنا إحدى أهم خلاصات مكاوي: الفارق الكبير بين تكلفة بعض الوسائل الهجومية وتكلفة الإجراءات اللازمة للتصدي لها، أو الخسائر الاقتصادية التي قد تنتج عن مجرد التهديد باستخدامها.
فالصاروخ أو الطائرة المسيّرة لا يمثلان فقط وسيلة لإصابة هدف عسكري أو تجاري، بل قد يتحولان إلى أداة لإعادة توجيه حركة السفن ورفع تكلفة التجارة، وهو ما يمنح القوة المهاجمة تأثيرا يفوق حجم مواردها المباشرة.
لكن هذا التأثير لا يعني أن إيران تتحكم في التجارة العالمية، أو أن جميع الهجمات تنفذ وفق خطة مركزية واحدة، إذ تتداخل الحسابات الإيرانية مع أهداف الحوثيين ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية.
هل ينتقل التهديد إلى بحر العرب؟
يحذر مكاوي من احتمال اتساع نطاق التهديد البحري خارج باب المندب وخليج عدن، باتجاه بحر العرب، بما يوسع المجال الجغرافي للمخاطر المرتبطة بالمواجهة الإقليمية.
وتستند هذه الفرضية إلى تطور مدى بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإلى الطبيعة الجغرافية للساحل اليمني، الذي يتيح نظريا إمكانات لعمليات تمتد إلى مناطق بحرية أبعد.
غير أن الانتقال من القدرة التقنية إلى فرض سيطرة عملياتية مستمرة على مساحات واسعة من بحر العرب يبقى تحديا مختلفا، ويتطلب إمكانات للاستطلاع والاستهداف والاتصال والإمداد لا يمكن افتراض توفرها بالكامل لدى الحوثيين.
كما أن الحديث عن انتشار إيراني مباشر في مناطق يمنية شرقية أو في أرخبيل سقطرى يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يكفي الموقع الجغرافي وحده لإثبات وجود ترتيبات عسكرية من هذا النوع.
ومع ذلك، فإن مجرد دخول بحر العرب ضمن حسابات المخاطر البحرية يزيد تعقيد مهمة القوات الدولية المكلفة بتأمين الممرات التجارية.
اليمن في قلب التوازنات الإقليمية
تكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ظل تجدد التصعيد العسكري خلال أكتوبر 2026، واتساع المواجهات المرتبطة بالحوثيين إلى أهداف داخل اليمن والسعودية.
ويظهر ذلك أن القدرات التي طورتها الجماعة خلال السنوات الماضية لم تعد محصورة في إطار المواجهة اليمنية الداخلية، وإنما أصبحت عاملا يؤثر في حسابات الأمن الإقليمي والملاحة والطاقة.
بالنسبة إلى إيران، يوفر هذا الواقع إمكانية ممارسة الضغط عبر جبهة جغرافية بعيدة نسبيا عن أراضيها، بينما يضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام معادلة تتطلب استثمارات كبيرة لحماية الممرات البحرية والتصدي للتهديدات المتكررة.
لكن هذه الاستراتيجية تنطوي أيضا على مخاطر بالنسبة إلى طهران والحوثيين، من بينها احتمال اتساع الردود العسكرية وتزايد الضغوط الدولية وتفاقم الكلفة الإنسانية والاقتصادية على اليمن.
وتخلص قراءة مكاوي إلى أن معركة باب المندب لا تقاس بالقدرة على احتلال المضيق أو إغراق السفن الحربية الكبرى، بقدر ما تتعلق بإمكانية تحويل تهديد محدود نسبيا إلى عبء مستمر على التجارة العالمية.
وبذلك يصبح السؤال الاستراتيجي المطروح ليس فقط كيف يمكن حماية السفن من الصواريخ والمسيّرات، بل كيف يمكن منع تحول أحد أهم الممرات البحرية الدولية إلى ساحة ضغط عسكري واقتصادي دائم.


