لماذا يواجه الرجال والنساء الوحدة بطرق مختلفة رغم تشابه مشاعرهم؟

قد يكون لدى الإنسان عشرات المعارف، ويتواصل يوميا مع الآخرين، ومع ذلك يشعر بالوحدة. وفي المقابل، قد تكفيه صداقة واحدة متينة ليحافظ على توازنه النفسي. فالشعور بالوحدة لا يرتبط بالضرورة بعدد الأصدقاء، بل بطبيعة العلاقات ومدى قدرتها على توفير الدعم العاطفي والإحساس بالانتماء.

وتكشف دراسات نفسية واجتماعية أن الرجال والنساء لا يختلفون كثيرا في مستويات الشعور بالوحدة، لكن الفوارق تظهر في طريقة التعامل معها، وخصوصا في الاستعداد للتعبير عن المشاعر واللجوء إلى الأصدقاء والعائلة عند الحاجة إلى المساندة.

وأظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» الأمريكي للأبحاث، ونشرت نتائجه في يناير 2025، أن 16 في المائة من البالغين الأمريكيين يشعرون بالوحدة أو العزلة معظم الوقت أو طواله، دون تسجيل اختلافات كبيرة بين الرجال والنساء.

وشمل الاستطلاع 6204 أشخاص، وكشف أن الرجال ليسوا بالضرورة أكثر عرضة للوحدة أو أقل امتلاكا للأصدقاء المقربين، كما قد توحي بعض التصورات الشائعة، لكنهم أقل ميلا إلى الاستعانة بعلاقاتهم الاجتماعية للحصول على الدعم العاطفي.

فقد أكدت 54 في المائة من النساء استعدادهن الكبير للجوء إلى أحد الأصدقاء عندما يحتجن إلى المساندة النفسية، مقابل 38 في المائة من الرجال. كما بلغت نسبة النساء المستعدات لطلب الدعم من أحد المختصين بالصحة النفسية 22 في المائة، مقابل 16 في المائة لدى الرجال.

وتكشف هذه الفوارق أن امتلاك شبكة من العلاقات الاجتماعية لا يعني بالضرورة القدرة على الاستفادة منها في الأوقات الصعبة، إذ يمكن أن يمتلك الشخص أصدقاء مقربين دون أن يشعر بالارتياح الكافي لمشاركة مخاوفه أو مشكلاته معهم.

ولا تقتصر الاختلافات على طلب الدعم، بل تشمل أيضا طرق التواصل. فقد أظهرت بيانات المركز أن النساء يتواصلن مع أصدقائهن المقربين عبر الرسائل ووسائل التواصل الاجتماعي والمكالمات الهاتفية بوتيرة أكبر من الرجال، بينما يميل الرجال، بفارق محدود، إلى اللقاء المباشر بالأصدقاء.

وفي دراسة علمية نشرتها مجلة «Evolution and Human Behavior» في نونبر 2024، حلل باحثون شبكات الصداقة لدى 757 شخصا في بريطانيا، تراوحت أعمارهم بين 18 و75 سنة، بهدف فهم العوامل النفسية المرتبطة بتكوين الصداقات والحفاظ عليها.

وأظهرت النتائج اختلافات بين الرجال والنساء في بنية مجموعات الأصدقاء المقربين والخصائص النفسية المرتبطة باستمرار هذه العلاقات. وارتبطت بعض جوانب الصداقة لدى النساء بالميول الاجتماعية الإيجابية، في حين ارتبطت لدى الرجال بدرجات أقل من بعض السمات المناهضة للسلوك الاجتماعي.

ولا تعني هذه النتائج أن أحد الجنسين أقدر بطبيعته على تكوين الصداقات، أو أن الرجال أقل اهتماما بالعلاقات العاطفية العميقة، بل تشير إلى أن أساليب بناء الروابط الاجتماعية والمحافظة عليها قد تختلف من شخص إلى آخر، وتتأثر بعوامل نفسية واجتماعية متعددة.

ويبدو العمر بدوره عاملا مؤثرا في الشعور بالوحدة. فقد كشف استطلاع «بيو» أن 22 في المائة من الأمريكيين دون الخمسين يشعرون بالوحدة بصورة متكررة، مقابل 9 في المائة فقط ممن بلغوا الخمسين أو تجاوزوها.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة زيادة الشعور بالعزلة، وأن الشباب والبالغين الأصغر سنا قد يواجهون صعوبات أكبر في بناء علاقات تمنحهم الشعور بالاستقرار والانتماء.

أما على المستوى العالمي، فقد حذرت منظمة الصحة العالمية، في تقرير أصدرته في يونيو 2025، من اتساع ظاهرة الوحدة، مقدرة أن شخصا واحدا من بين كل ستة أشخاص يعاني منها، مع تسجيل مستويات مرتفعة خصوصا بين الشباب.

ونبهت المنظمة إلى أن الوحدة ليست مجرد شعور عابر بالحزن أو غياب الرفقة، بل قضية صحية واجتماعية قد ترتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بالاكتئاب والقلق وأمراض القلب وغيرها من المشكلات الصحية.

وتسلط هذه المعطيات الضوء على الفرق بين العزلة الاجتماعية والوحدة النفسية؛ فالأولى تتعلق بمحدودية العلاقات والاتصالات الاجتماعية، بينما تعبر الثانية عن شعور الفرد بوجود فجوة بين العلاقات التي يمتلكها وتلك التي يحتاج إليها.

ولهذا قد يشعر شخص بالوحدة داخل أسرة كبيرة أو وسط مجموعة من الأصدقاء، بينما يعيش آخر بمفرده دون أن يعاني الإحساس نفسه، ما دام يحتفظ بعلاقات تمنحه الثقة والتقدير والدعم.

وتؤكد الأبحاث أن السؤال الأهم ليس من يشعر بالوحدة أكثر، الرجال أم النساء، وإنما كيف يبني كل فرد علاقاته، وإلى أي حد يستطيع الاعتماد عليها عندما يواجه صعوبات نفسية أو اجتماعية.

فالصداقة لا تقاس دائما بعدد الأشخاص الموجودين في قائمة الاتصالات أو المتابعين على المنصات الرقمية، وإنما بوجود أشخاص يمكن الحديث معهم بحرية، والشعور بالأمان والثقة في حضورهم، والاعتماد عليهم عند الحاجة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img