لم تكن نجية تبحث عن الشعارات حين ظهرت أمامها إعلانات الأحزاب على هاتفها. كانت تريد أن تعرف كيف ستتحول الوعود إلى فرص عمل، وكيف ستنعكس البرامج على حياتها اليومية، ومتى يمكن أن ترى نتائجها.
تبلغ نجية 26 سنة، وتقيم في الدار البيضاء، وهي مسجلة في اللوائح الانتخابية. تابعت بعض الرسائل التي رافقت الحملة السابقة لاقتراع 23 شتنبر 2026، لكنها خرجت منها بانطباع لا يتعلق بجودة التصوير أو جاذبية الشعارات.
تقول لـ«المحيط»: «أكثر ما بقي في ذاكرتي هو طريقة تقديم الرسائل والشعارات، لكنني كنت أتمنى أن تتضمن هذه الفيديوهات حلولا واقعية وواضحة، وليس فقط وعودا عامة».
تضع هذه الشهادة اليد على سؤال يتجاوز حالة ناخبة واحدة: ماذا يحدث عندما تمتلك الأحزاب المال اللازم لإيصال رسائلها إلى ملايين الشاشات، لكنها لا تملك بالضرورة الإجابات التي يبحث عنها أصحاب تلك الشاشات؟
خلال الأشهر الثلاثة السابقة للانتخابات، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة تنافس إعلاني بين الأحزاب. لم يعد الأمر مقتصرا على نشر البيانات والصور ومقاطع التجمعات، بل أصبح يتعلق بشراء مساحات للظهور، وتكرار الرسائل، وتقديم الوعود في فيديوهات قصيرة مصممة لجذب الانتباه.
في هذا التحقيق، تتبع «المحيط» بيانات الإنفاق السياسي على منصات ميتا، وفحص عينات من المواد الإعلانية، واستمع إلى ستة شباب من الدار البيضاء واليوسفية ومراكش والرباط. والهدف ليس قياس شعبية الأحزاب من خلال الإعلانات، بل اختبار الفجوة بين ما تدفعه للوصول إلى الجمهور وما تقوله له عندما تصل إليه.
290 ألف دولار.. ومنافسة غير متكافئة
تكشف المعطيات التي جمعها «المحيط» عن تفاوت حاد في الإنفاق الإعلاني بين تسعة أحزاب وتشكيلات سياسية خلال الفترة من 25 يونيو إلى 22 شتنبر 2026.
بلغ مجموع الإنفاق المرصود 290,793 دولارا. واستحوذ التجمع الوطني للأحرار وحده على 189,384 دولارا، بما يعادل نحو 65 في المائة من المجموع.
وجاء الأصالة والمعاصرة في المرتبة الثانية بإنفاق بلغ 61,343 دولارا، ثم الاستقلال بـ21,256 دولارا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ11,892 دولارا، والتقدم والاشتراكية بـ5,638 دولارات.
أما فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد والعدالة والتنمية والحركة الشعبية، فجاءت المبالغ المرصودة لصفحاتها المشمولة بالرصد عند مستويات أدنى بكثير.
هذه ليست مجرد فروق حسابية. فالتجمع الوطني للأحرار أنفق، وفق هذه البيانات، أكثر من ثلاثة أضعاف ما أنفقه الأصالة والمعاصرة، ونحو تسعة أضعاف ما أنفقه الاستقلال.
وفي بيئة تتنافس فيها الرسائل على انتباه المستخدم، تمنح الموارد المالية الأكبر قدرة أوسع على شراء الظهور وتكرار الرسالة. لكنها لا تمنح، تلقائيا، قدرة مماثلة على تغيير القناعات.
من تصدر الإنفاق السياسي على ميتا؟
رصد المحيط للحملات الرقمية المرتبطة بانتخابات 23 شتنبر 2026
التجمع الوطني للأحرار.. حين تصبح الوعود الاجتماعية إعلانات
في عينات المواد الإعلانية التي فحصها «المحيط»، برز حضور القضايا الاجتماعية والاقتصادية في خطاب التجمع الوطني للأحرار، من فرص الشغل والدخل إلى الأجور والتقاعد والحماية الاجتماعية.
لم يكن اختيار هذه الموضوعات عارضا. فهي تقع في صميم انشغالات قطاعات واسعة من المواطنين، وتسمح بتحويل البرنامج الانتخابي إلى رسائل مباشرة: مشكلة يعرفها الناخب، ووعد يقدمه الحزب باعتباره جوابا عنها.
وتبدو هذه الصيغة مناسبة لطبيعة الإعلان الرقمي. فالمستخدم الذي يتصفح هاتفه قد لا يقرأ برنامجا انتخابيا مطولا، لكنه يستطيع مشاهدة فيديو قصير يقدم التزاما يتعلق بدخله أو عمله أو تغطيته الصحية.
غير أن الاختصار الذي يمنح الإعلان قوته قد يصبح أيضا مصدر ضعفه. فعندما تختزل السياسات العمومية في تعهدات سريعة، تتراجع المساحة المخصصة لشرح الكلفة والآجال وآليات التنفيذ.
تعود نجية إلى هذه النقطة تحديدا: «بعض الوعود تبقى عامة، ولا توضح كيف سيتم تنفيذها، وفي أي مدة، وما النتائج التي يمكن أن يلمسها المواطن في حياته اليومية».
لا تثبت شهادتها أن الإعلان فشل في إقناع جميع من شاهدوه. لكنها تكشف أن الرسالة، حتى عندما تصل وتبقى في الذاكرة، قد تترك وراءها أسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة.
الأصالة والمعاصرة.. برنامج وحصيلة ودعوة إلى التصويت
تكشف عينة إعلانات الأصالة والمعاصرة عن مقاربة مختلفة في تقديم الرسائل السياسية. فإلى جانب التعهدات الانتخابية، حضر عرض الحصيلة الحكومية والمؤسساتية، وتقديم مواقف سياسية، والدعوة المباشرة إلى المشاركة.
في أحد الإعلانات التي وثقها «المحيط»، قدم الحزب التزاما يتعلق بالمدرسة العمومية ضمن برنامجه الانتخابي. وفي إعلان آخر، ظهر وزير العدل عبد اللطيف وهبي في محتوى يقدم حصيلة مرتبطة بالمحاكم والرقمنة خلال أقل من دقيقة ونصف.
كما تضمنت العينة رسالة تحث المواطنين على التصويت يوم 23 شتنبر، مستخدمة الدارجة المغربية وصيغة تخاطب المتلقي مباشرة.
تجمع هذه المواد بين ثلاثة أهداف متمايزة: إقناع الناخب ببرنامج مستقبلي، والدفاع عن حصيلة سابقة، وتحفيزه على المشاركة في الاقتراع.
لكن الجمع بين هذه الأهداف يثير سؤالا عن طبيعة الأثر الذي يسعى الحزب إلى تحقيقه. فمشاهدة فيديو عن إصلاح المحاكم لا تعني بالضرورة تأييد الحزب الذي نشره، والتفاعل مع دعوة إلى التصويت لا يعني التصويت لصالح صاحب الدعوة.
وتظهر هنا إحدى حدود قراءة الأداء السياسي عبر مؤشرات المنصات. فقد ينجح الإعلان في جذب الانتباه إلى موضوع عام، دون أن ينجح في تحويل هذا الاهتمام إلى دعم انتخابي.
الاستقلال.. تحدي مخاطبة جيل جديد
بالنسبة إلى حزب الاستقلال، لا يتعلق التحدي الرقمي بمجرد امتلاك صفحات رسمية أو نشر مقاطع مصورة، بل بكيفية ترجمة رصيده السياسي والتاريخي إلى خطاب يستطيع مخاطبة جيـل لم يعش معظم محطات ذلك التاريخ.
فالمنصات الرقمية لا تكافئ بالضرورة طول التجربة السياسية. إنها تضع الأحزاب القديمة والجديدة أمام المستخدم نفسه، وفي المساحة البصرية نفسها، حيث يتنافس الجميع على ثوان معدودة من الانتباه.
وفي هذا السياق، يصبح تجديد اللغة والشكل ضرورة تواصلية. لكن التجديد الحقيقي لا يقاس بسرعة المونتاج أو اختيار الموسيقى أو استخدام الدارجة، وإنما بقدرة الرسالة على تقديم أجوبة جديدة عن مشكلات قائمة.
ماريا، البالغة من العمر 24 سنة، طالبة صحافة من الدار البيضاء ومسجلة في اللوائح الانتخابية، لا ترى أن الوعود التي تابعتها استطاعت التعبير بوضوح عن انتظاراتها.
تقول لـ«المحيط»: «بصراحة، لا، لم أجد في الوعود الانتخابية ما يعكس بشكل واضح ما أنتظره من الأحزاب أو ما يرتبط بشكل مباشر بانشغالاتي اليومية ومستقبلي».
تعكس هذه الشهادة مأزقا لا يخص حزبا واحدا. فالمشكلة قد لا تكون في عجز الأحزاب عن الوصول إلى الشباب، بل في عجز بعض رسائلها عن إقناعهم بأنها تتحدث عن مستقبلهم بالفعل.
ملايين المتابعين.. لكن من يتابع من؟
لا يقتصر التفوق الرقمي على الإنفاق المدفوع. فالأحزاب تمتلك أيضا جماهير متفاوتة الحجم على صفحاتها الرسمية.
في رصد أجراه «المحيط» بتاريخ 28 أكتوبر 2026، أظهرت بيانات الصفحات المعروضة في مكتبة إعلانات ميتا أن صفحة التجمع الوطني للأحرار على فيسبوك يتابعها نحو 1.5 مليون حساب، مقابل 597.6 ألفا للأصالة والمعاصرة، و195 ألفا للاستقلال، و161.6 ألفا للاتحاد الاشتراكي.
وعلى إنستغرام، بلغ عدد المتابعين الظاهر نحو 187.9 ألفا للتجمع الوطني للأحرار، و73.9 ألفا للأصالة والمعاصرة، و19.1 ألفا للاتحاد الاشتراكي، و16.9 ألفا للاستقلال.
لكن هذه الأرقام لا تصف بالضرورة قواعد انتخابية. فمتابعة صفحة حزب لا تعني تأييده، كما أن الحساب الواحد قد يتابع أكثر من حزب، وقد يتابع الصفحة نفسها على منصتين مختلفتين.
كذلك لا تكشف أعداد المتابعين عدد الأشخاص الذين شاهدوا الإعلانات الممولة بالفعل، لأن الإعلان قد يصل إلى مستخدمين لا يتابعون الصفحة أصلا.
وبالتالي، فإن جمع المتابعين والإنفاق والأصوات في معادلة واحدة قد ينتج استنتاجات مضللة. إنها مؤشرات تقيس أشياء مختلفة، حتى وإن كانت جميعها جزءا من الحضور السياسي الرقمي.
الشباب الذين لم تصل إليهم الرسالة
في اليوسفية، لم يحتفظ سعيد، البالغ من العمر 23 سنة، بذكرى واضحة لإعلانات انتخابية مؤثرة. وفي مراكش، كانت تجربة عبد الله، الطالب البالغ من العمر 20 سنة، قريبة من ذلك: تعرض محدود للمواد السياسية، دون تذكر واضح لمضامينها.
الشابان غير مسجلين في اللوائح الانتخابية. ولا يمكن تعميم تجربتيهما على ملايين الشباب المغاربة، لكنهما تطرحان سؤالا عن حدود الوصول الرقمي نفسه.
فحتى في عصر الإعلانات الموجهة، لا يعني وجود حملة ممولة أن كل الفئات التي يرغب الحزب في مخاطبتها قد شاهدتها أو انتبهت إليها.
ثم إن مشاهدة الإعلان ليست سوى مرحلة أولى. وبينها وبين قرار التسجيل في اللوائح الانتخابية، ثم المشاركة في الاقتراع، ثم اختيار حزب بعينه، توجد مراحل أخرى لا يستطيع الإعلان وحده اختصارها.
لمياء، البالغة من العمر 28 سنة، من الدار البيضاء، تقدم مثالا على ذلك. فهي غير مسجلة في اللوائح الانتخابية، لكنها لا تعتبر هذا الوضع تعبيرا عن رفض مبدئي للمشاركة السياسية.
تقول: «ماشي بالضرورة لأنني ضد المشاركة السياسية ولكن لأنني ما سبقش ليا خديت هاد الخطوة، وما كنتش متابعة الموضوع بالشكل الكافي».
وتضيف، عند حديثها عن الوعود الانتخابية: «الأهم ماشي غير شنو كيتوعد به وإنما كيفاش غادي يتطبق، وشنو هي الإمكانيات والآجال المحددة لتحقيق هاد الوعود».
بين الشهادتين تظهر فجوتان مختلفتان: الأولى تتعلق بوصول الرسالة، والثانية بقدرتها على تقديم مضمون مقنع عندما تصل.
الدار البيضاء والرباط.. أين تذهب الأموال؟
لا تتوزع الإعلانات السياسية بالتساوي بين المناطق. ففي رصد أجراه «المحيط» بتاريخ 28 أكتوبر 2026، استنادا إلى تقرير مكتبة إعلانات ميتا عن الفترة من 28 يوليوز إلى 25 أكتوبر 2026، ظهرت الدار البيضاء الكبرى في صدارة المناطق الخمس المعروضة بإنفاق بلغ 79,470 دولارا.
وجاءت الرباط سلا زمور زعير ثانية بـ47,729 دولارا، تلتها طنجة تطوان بـ36,147 دولارا، وسوس ماسة درعة بـ35,916 دولارا، ثم مراكش تانسيفت الحوز بـ32,694 دولارا.
خريطة الإنفاق الإعلاني السياسي حسب المناطق
أعلى خمس مناطق ظاهرة في البيانات الجغرافية
تظهر هذه الأرقام وزنا ملحوظا للمراكز الحضرية الكبرى في توزيع الإنفاق المرصود، لكنها لا تسمح بالقول إن الأحزاب التسعة أنفقت هذه المبالغ في المناطق المذكورة.
فالبيانات الجغرافية تخص فترة مختلفة عن فترة الرصد الحزبي، وقد تشمل معلنين سياسيين آخرين. كما أن التقرير يستخدم أسماء جهات وفق تقسيم إداري قديم.
والأهم أن الإنفاق المسجل في منطقة ما لا يساوي عدد الناخبين الذين تعرضوا للإعلان فيها، ولا يثبت أن الإعلان أثر في اختياراتهم.
لذلك ينبغي قراءة هذه الخريطة باعتبارها مؤشرا مستقلا على التوزيع الجغرافي للإنفاق السياسي المسجل لدى ميتا، لا خريطة جاهزة لتفسير نتائج الاقتراع.
هل اشترت الأحزاب الأصوات أم اشترت الانتباه؟
تكشف الأرقام عن قدرة مالية متفاوتة على شراء الظهور، لكنها لا تقدم دليلا على شراء التأييد السياسي.
فلكي نثبت أن الإنفاق الإعلاني أدى إلى زيادة أصوات حزب معين، نحتاج إلى معرفة من شاهد الإعلانات، وعدد مرات تعرضه لها، وموقفه قبل المشاهدة وبعدها، والعوامل الأخرى التي أثرت في اختياره.
هذه المعطيات لا توفرها جداول الإنفاق وحدها.
قد يساهم الإعلان في تعبئة أنصار مقتنعين أصلا، أو تعريف ناخبين ببرنامج حزب، أو تحسين صورته لدى فئة معينة. وقد يشاهده مستخدم معارض للحزب، أو شخص غير مسجل في اللوائح، أو ناخب لم يتغير موقفه.
ولهذا فإن مقارنة المبالغ المنفقة بالمقاعد المحصل عليها، رغم أهميتها بوصفها سؤالا صحفيا، لا تكفي لإثبات علاقة سببية بين المال والنتيجة الانتخابية.
محمد، البالغ من العمر 29 سنة، من الرباط، والمهتم بالشأن السياسي، يضع معيارا آخر للحكم على الرسائل الحزبية.
يقول لـ«المحيط»: «من حق المواطن أن يفهم البرنامج بلغته اليومية، ولكن من حقه أيضا أن يتلقى معطيات واضحة، وأهدافا قابلة للقياس، وتفسيرا واقعيا لكيفية تحقيق الالتزامات».
ويضيف: «في تقديري، فإن قوة الحزب لا تقاس بقدرته على مهاجمة منافسيه، بل بقدرته على تقديم مشروع واضح ومقنع، والدفاع عنه بالحجة والبرامج والالتزامات القابلة للتنفيذ».
ليست هذه الشهادة حكما على جميع الحملات، لكنها تعيد النقاش إلى سؤال جوهري: هل استُخدمت الأدوات الرقمية لتوسيع النقاش السياسي، أم لتوسيع انتشار الرسائل السياسية فقط؟
الفجوة التي لا تظهر في لوحة الإعلانات
في مكتبة إعلانات ميتا، يمكن تتبع مبالغ الإنفاق وتواريخ النشر وبعض خصائص الإعلانات. ويمكن، عبر صفحات الأحزاب، معرفة عدد المتابعين ومشاهدة المواد التي اختارت نشرها.
لكن ما لا يظهر في هذه اللوحات هو مقدار الثقة التي بنتها الرسائل، أو عدد الأسئلة التي أجابت عنها، أو حجم الاقتناع الذي ولدته لدى الناخبين المترددين.
وهنا تتقاطع البيانات مع الشهادات التي جمعها «المحيط». فنجية تريد تفاصيل التنفيذ، ولمياء تبحث عن الآجال والإمكانيات، وماريا لا تجد انعكاسا واضحا لانشغالاتها، بينما لا يتذكر سعيد وعبد الله رسائل انتخابية مؤثرة.
أما محمد، فيطالب ببرامج قابلة للقياس والمساءلة.
لا تمثل هذه الشهادات عينة إحصائية تسمح بقياس اتجاهات الشباب المغربي. لكنها تقدم مؤشرات نوعية على طبيعة الأسئلة التي قد تبقى بلا جواب، مهما ارتفعت ميزانية الإعلان.
لقد أتاحت المنصات الرقمية للأحزاب فرصة الوصول إلى الناخبين خارج التجمعات والقاعات والملصقات. وأصبح بالإمكان إيصال رسالة سياسية إلى الهاتف في ثوان.
غير أن المسافة بين الوصول والإقناع لا تختصرها ميزانية إعلانية، ولا يعبر عنها عدد المتابعين.
فالمال يستطيع شراء مساحة للظهور، لكنه لا يستطيع، بمفرده، شراء الثقة.
