أعادت الأمم المتحدة قضية السكن الميسر إلى واجهة النقاش الدولي، بمناسبة اليوم العالمي للمدن، الذي يصادف 31 أكتوبر من كل سنة، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف السكن وتوسع الأحياء الحضرية وصعوبة استفادة جميع السكان من الخدمات الأساسية.
واختارت الأمم المتحدة لدورة 2026 شعار «تجديد المدينة: السكن اللائق للجميع»، خلال الاحتفال العالمي الذي تحتضنه مدينة فوتشو الصينية، بمشاركة ممثلين عن الحكومات والمؤسسات الدولية والخبراء في التخطيط الحضري.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، يفتقر ما يصل إلى 3.4 مليارات شخص حول العالم إلى السكن اللائق، فيما يعيش أكثر من 1.1 مليار شخص في الأحياء العشوائية والمستوطنات غير المنظمة.
وتكشف هذه الأرقام أن أزمة السكن لم تعد تقتصر على نقص الوحدات السكنية، بل تشمل أيضا جودة المساكن، وتوافر الخدمات، وإمكانية الوصول إلى وسائل النقل والمدارس والمرافق الصحية، فضلا عن قدرة الأسر على تحمل التكاليف.
ويؤكد البرنامج الأممي أن تجديد الأحياء الحضرية يمكن أن يحسن ظروف العيش من خلال تطوير البنيات التحتية والمساحات العامة والخدمات، لكنه يحذر من أن ارتفاع الإيجارات بعد عمليات التأهيل قد يؤدي إلى إقصاء السكان الأصليين الذين يفترض أن يستفيدوا من هذه التحسينات.
وتبرز هنا إحدى المفارقات التي تواجه سياسات تجديد المدن: فكلما أصبحت الأحياء أكثر جاذبية للاستثمار والسكن، ازدادت احتمالات ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، ما قد يدفع الأسر محدودة الدخل إلى الانتقال نحو مناطق أبعد عن مراكز العمل والخدمات.
وتدعو المقاربة الأممية إلى جعل السكان جزءا من قرارات التخطيط والتأهيل، وربط مشروعات التجديد بسياسات تحافظ على القدرة الشرائية للأسر وتحمي الفئات الأكثر عرضة للإقصاء السكني.
كما تشدد على ضرورة تطوير أحياء قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، من خلال تحسين المساحات الخضراء وشبكات النقل والبنيات الأساسية، بدلا من الاكتفاء بإعادة تأهيل المباني والواجهات.
ويكتسي هذا النقاش أهمية بالنسبة إلى المدن المغربية التي تشهد توسعا عمرانيا وتحولات في سوق العقار، خصوصا في ما يتعلق بالتوازن بين الاستثمار العقاري وتوفير السكن المناسب لمختلف الفئات الاجتماعية.
فجودة الحياة داخل المدينة لا تتحدد بمستوى البناء وحده، بل تتأثر أيضا بالمسافة الفاصلة بين السكن والعمل، وتكاليف التنقل، وتوافر الحدائق والمدارس والمرافق الصحية، ومدى قدرة الأسر على الاستقرار في أحيائها.
ويطرح اليوم العالمي للمدن، بذلك، سؤالا يتجاوز حجم الاستثمارات العقارية إلى طبيعة المدن التي يجري بناؤها، ومدى قدرتها على الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وتبقى الرسالة الأساسية للمبادرة الأممية أن نجاح تجديد المدن لا يقاس فقط بالمباني الجديدة والبنيات التحتية، بل بمدى تحسن حياة السكان وإمكانية استمرارهم في الاستفادة من أحيائهم بعد تطويرها.
