تقرير استراتيجي: الكابلات البحرية تعزز موقع المغرب في معركة السيادة الرقمية

لم تعد السيادة الرقمية تقاس فقط بقدرة الدول على امتلاك مراكز البيانات أو تطوير شبكات الاتصالات، بل باتت ترتبط أيضا بالتحكم في البنية التحتية التي تمر عبرها المعلومات بين القارات. وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الكابلات البحرية باعتبارها أحد أكثر المرافق الاستراتيجية أهمية، وأقلها حضورا في النقاش العام.

ويضع إصدار جديد من سلسلة «حوارات استراتيجية»، أنجزه مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بالمغرب بشراكة مع مركز الجيوسياسة التابع لـHEC Paris، هذه البنية التحتية في صلب التنافس الدولي، محذرا من تنامي مخاطر التخريب والتبعية التكنولوجية وتركيز التحكم في شبكات الاتصال العالمية.

ويشير الإصدار العشرون، الصادر في أكتوبر 2026، إلى أن مشاريع الربط البحري، ومن بينها «ميدوسا» و«كانالينك»، قد تعزز موقع المغرب باعتباره نقطة وصل رقمية بين أوروبا وإفريقيا والمجال الأطلسي، في وقت تتحول فيه أعماق البحار إلى ساحة جديدة للتنافس بين القوى الكبرى.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يمنحه موقعه الجغرافي إمكانية الاستفادة من توسع شبكات الاتصال الدولية، لكن تحويل هذه الميزة إلى مكسب استراتيجي يظل مرتبطا بأمن الشبكات وقدرات صيانتها وتنوع مساراتها.

البنية التحتية الخفية للاقتصاد العالمي

في مساهمته المعنونة «من المنجم إلى الكابل: الوجه الخفي لاتصالنا»، يوضح مهدي بنعمر، رئيس قسم البحث في العلاقات الدولية بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أن الكابلات البحرية أصبحت بنية استراتيجية تتجاوز وظيفتها التقنية التقليدية.

فالشبكات التي تربط الاقتصادات والمجتمعات أصبحت مرتبطة بمفهوم أوسع للسيادة، يشمل القدرة على التحكم في مسارات الاتصال والموارد الأساسية المستخدمة في تصنيعها، فضلا عن ضمان استمرار تشغيلها في أوقات الأزمات.

ويبرز الباحث أن صعود الشركات التكنولوجية العملاقة في تمويل وتشغيل هذه البنية التحتية يعيد تشكيل العلاقة بين الدول والقطاع الخاص، خصوصا مع تزايد تركيز ملكية الشبكات وتنامي المنافسة الصينية الأمريكية.

ويحذر من أن اجتماع هذه العوامل مع مخاطر التخريب قد يدفع نحو مزيد من هشاشة الاتصال العالمي، بل ويغذي احتمالات تجزئة الإنترنت إلى فضاءات أقل ترابطا.

ولا يتعلق الأمر هنا بتحد تقني محض، إذ إن اضطراب الاتصال قد يمتد إلى الخدمات المالية والأنشطة الاقتصادية والاتصالات الحيوية التي تعتمد على التدفق المستمر للمعلومات.

أكثر من 99 في المئة من البيانات

يقدم محمد لوليشكي، الباحث البارز في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، مؤشرا يكشف حجم الاعتماد العالمي على هذه البنية التحتية، إذ يؤكد أن الكابلات البحرية تؤمن أكثر من 99 في المئة من تبادل البيانات الدولية.

وفي مساهمته حول العلاقة بين الحرية والأمن والاتصال، يلفت لوليشكي إلى أن القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يكفل حرية مد الكابلات وتشغيلها، لكن هذه الحرية تواجه تحديات متزايدة بسبب الأضرار العرضية والأنشطة البحرية والتوترات الجيوسياسية واحتمالات التخريب.

ويرى أن حماية هذه الشبكات لا يمكن أن تقع على عاتق الحكومات وحدها، بل تتطلب تعاونا بين الدول والمنظمات الدولية والمشغلين من القطاع الخاص، لتطوير أنظمة المراقبة والوقاية والتدخل السريع لإصلاح الأعطاب.

كما يربط الباحث أمن الكابلات بمسألة العدالة الرقمية، مشيرا إلى ضرورة أن تستفيد البلدان النامية، وخصوصا الإفريقية، من شبكات أكثر موثوقية وإتاحة.

المغرب أمام فرصة استراتيجية

تمنح التحولات التي يشهدها قطاع الاتصال البحري أهمية خاصة للموقع المغربي، عند تقاطع المجالين الأطلسي والمتوسطي وبالقرب من أوروبا.

ويعتبر مهدي بنعمر أن التوسع السريع للاتصال الرقمي في إفريقيا لا يلغي استمرار اعتماد القارة على مشغلين أجانب، ولا يعالج بمفرده ضعف شبكات الربط الأرضية.

وفي هذا السياق، يبرز الباحث مشروعي «ميدوسا» و«كانالينك» باعتبارهما من المبادرات التي يمكن أن تدعم موقع المغرب كحلقة وصل رقمية بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.

غير أن أهمية هذه المشاريع، وفق المنطق الذي يعرضه الإصدار، لا تقتصر على إضافة مسارات جديدة لنقل البيانات. فالقيمة الاستراتيجية للاتصال ترتبط أيضا بتعدد المسارات، وتطوير قدرات الصيانة والمراقبة، وتقوية الأطر القانونية التي تنظم حماية الشبكات.

وتفتح هذه المعطيات نقاشا حول موقع المغرب في سلاسل القيمة الرقمية الدولية، ومدى إمكانية الانتقال من الاستفادة من موقع جغرافي متميز إلى بناء قدرات تقنية ومؤسساتية تعزز استقلالية البنية التحتية الوطنية.

حرب الكابلات والممرات الحساسة

في مساهمة بعنوان «حرب الكابلات ستقع بالفعل»، يحذر الأدميرال الفرنسي السابق آلان أودو دو دانفيل، الذي شغل منصب رئيس أركان البحرية الفرنسية، من تزايد المخاطر المحيطة بالكابلات البحرية، خصوصا في الممرات الضيقة ذات الأهمية الاستراتيجية.

ويشير إلى مضيقي هرمز وباب المندب باعتبارهما منطقتين تتجمع فيهما بنى اتصال حيوية معرضة للأضرار العرضية والتخريب والهجمات الهجينة.

وتنبع حساسية هذه الممرات من الجمع بين حركة التجارة والطاقة ومرور البنية التحتية الرقمية، ما يجعل الاضطرابات الأمنية فيها ذات تداعيات محتملة تتجاوز النقل البحري التقليدي.

ويدعو الباحث إلى تعزيز مراقبة الكابلات وحمايتها القانونية، وتطوير قدرات الإصلاح والتعاون مع المشغلين، فضلا عن تنويع مسارات الربط لتقليل الاعتماد على نقاط عبور محدودة.

وتشير هذه المقاربة إلى تحول في مفهوم الأمن البحري، بعدما أصبحت حماية الشبكات الرقمية جزءا من حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدول.

السيادة لا تعني الانعزال

تتقاطع المساهمات الثلاث حول فكرة أساسية مفادها أن السيادة الرقمية لا تتحقق بمجرد امتلاك بنية تحتية للاتصال، وإنما تتطلب القدرة على حمايتها وضمان استمراريتها وتنويع مصادرها ومساراتها.

ويطرح هذا التحول تحديا خاصا أمام البلدان الإفريقية، التي تشهد توسعا في الاتصال الدولي، لكنها لا تزال تواجه تبعية للمشغلين الخارجيين وضعفا في بعض البنى التحتية الداخلية.

وبالنسبة للمغرب، يبرز التقرير فرصة لتعزيز موقعه في شبكات الربط بين القارات، بالتوازي مع ضرورة تطوير منظومة قادرة على التعامل مع المخاطر التقنية والأمنية والجيوسياسية المرتبطة بهذه الشبكات.

وبذلك، لم تعد المنافسة الرقمية الدولية مقتصرة على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات، بل امتدت إلى قاع البحار، حيث تمر البنية المادية التي يقوم عليها جزء أساسي من الاقتصاد الرقمي العالمي.

وفي هذه البيئة، قد يمنح الموقع الجغرافي المغرب فرصة مهمة، لكن تحويلها إلى سيادة رقمية أكثر رسوخا يتوقف على قدرته على الجمع بين الاتصال الدولي والأمن التقني والاستثمار في مرونة الشبكات.