حين يلتقي المغرب وهولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2026، لن تكون الأنظار موجهة فقط إلى الخطط التكتيكية، أو إلى صراع المدربين والنجوم فوق أرضية الملعب.
فهذه المباراة تحمل، إلى جانب رهانها الرياضي، حمولة إنسانية وسوسيولوجية خاصة، تجعلها واحدة من أكثر مواجهات المونديال تعبيرا عن أسئلة الهوية والهجرة والانتماء.
وتكتسب المواجهة خصوصيتها من حجم الروابط البشرية والرياضية بين البلدين، لذلك انتشرت الكثير من القراءات والتعليقات عل السوشيال ميديا قبل ساعات من المواجهة النارية بين المنتخبين.
ولا تعود الروابط بين المغرب وهولندا إلى الهجرة الحديثة فقط، بل تمتد إلى أكثر من أربعة قرون. ففي أواخر القرن السادس عشر، أقامت المقاطعات الهولندية الناشئة اتصالات مع المغرب في سياق صراعها مع الإمبراطورية الإسبانية، قبل أن تتوج هذه العلاقات بتوقيع معاهدة الصداقة والتجارة سنة 1610، وهي من أقدم الاتفاقيات الدبلوماسية التي ربطت المغرب بدولة أوروبية. غير أن العلاقة أخذت بعدا إنسانيا واجتماعيا مختلفا ابتداء من ستينيات القرن الماضي، مع توقيع اتفاقيات استقدام اليد العاملة المغربية، لتتشكل واحدة من أكبر الجاليات المغربية في أوروبا.
المباراة المقررة على ملعب مونتيري بالمكسيك لا تجمع فقط بين منتخبين يبحثان عن بطاقة العبور إلى ثمن النهائي، بل تضع أيضا أمام الواجهة قصة ممتدة من العلاقات التاريخية والهجرة الحديثة، وقصة جيل جديد من اللاعبين والمشجعين الذين يتحركون بين فضاءين: بلد الإقامة والتكوين من جهة، وبلد الأصل والذاكرة العائلية من جهة أخرى.
فهولندا تضم جالية مغربية واسعة، يقدر عدد أفرادها بما يفوق 400 ألف شخص من أصول مغربية، كثير منهم ينتمون إلى الجيلين الثاني والثالث، خاصة في مدن كبرى مثل أمستردام وروتردام ولاهاي وأوتريخت. هؤلاء لا يتعاملون مع المباراة باعتبارها حدثا كرويا عاديا، بل كلحظة رمزية تعيد طرح سؤال الانتماء بمعناه العاطفي والثقافي.
بدأت قصة المغاربة في هولندا مع موجات الهجرة العمالية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما وصل آلاف العمال، خصوصا من الريف وسوس ومناطق أخرى، في إطار ما عرف بـ”العمال الضيوف”. كان كثيرون منهم يعتقدون أن الرحلة مؤقتة، وأن العودة إلى المغرب مسألة وقت فقط. لكن السنوات تحولت إلى عقود، والهجرة المؤقتة تحولت إلى استقرار، ثم إلى أجيال جديدة ولدت وتعلمت وتكونت داخل المجتمع الهولندي.
ومع مرور الزمن، تغيرت طبيعة العلاقة مع الهوية. فالجيل الأول حمل المغرب في الذاكرة واللغة والحنين، أما الجيلان الثاني والثالث فقد وجدا نفسيهما أمام معادلة أكثر تعقيدا: الاندماج في المجتمع الهولندي دون قطع الصلة بالهوية المغربية. ومن هنا، تتحول كرة القدم، في لحظات مثل مباراة المغرب وهولندا، إلى مساحة رمزية للتعبير عن هذه الهوية المركبة.
لا يعني تشجيع جزء من الهولنديين من أصل مغربي لمنتخب المغرب رفضا لهولندا أو تنكرا للمجتمع الذي يعيشون فيه. بل يمكن فهمه باعتباره تعبيرا عن “مواطنة عاطفية” تحفظ مكانا خاصا لبلد الأصل داخل الوجدان العائلي والثقافي. في المدرجات والمقاهي والشوارع، يصبح العلم المغربي علامة على الذاكرة والانتماء، لا بالضرورة موقفا سياسيا ضد بلد الإقامة.
ومع ذلك، تظل هذه اللحظات محملة بحساسية خاصة داخل النقاش العمومي الهولندي. فقضية الولاء المزدوج وازدواجية الانتماء ظلت حاضرة في الجدل السياسي، خصوصا مع صعود خطابات يمينية تنظر أحيانا إلى تمسك أبناء المهاجرين بروابطهم الأصلية باعتباره عائقا أمام الاندماج. وتأتي مثل هذه المباريات لتكشف أن الهوية في زمن الهجرة لم تعد خطا واحدا، بل طبقات متداخلة من الذاكرة، واللغة، والعائلة، والمدرسة، والمدينة، والقميص الرياضي.
ولا يتوقف البعد الرمزي عند المدرجات. فالمنتخب المغربي نفسه يحمل في تركيبته البشرية جزءا من هذه القصة. فقد تكون عدد من لاعبي المغرب في هولندا أو مروا عبر مدارسها الكروية، قبل أن يختاروا تمثيل “أسود الأطلس” على المستوى الدولي. أسماء مثل نصير مزراوي، وسفيان أمرابط، وأنس صلاح الدين، وغيرهم، تختصر علاقة معقدة بين التكوين الرياضي الهولندي والانتماء الكروي المغربي.
هؤلاء اللاعبون لا يواجهون فقط منتخبا منافسا، بل يلتقون بمنظومة كروية يعرفونها جيدا. لقد تعلموا في ملاعبها وأكاديمياتها، وفهموا إيقاعها التكتيكي وثقافتها في اللعب، قبل أن يحملوا قميص المغرب في لحظة اختيار شخصي ورياضي عميقة. لذلك تبدو المباراة أيضا اختبارا رمزيا لمدى قدرة المغرب على تحويل مواهب المهجر إلى مشروع رياضي وطني ناجح.
في المقابل، تنظر هولندا إلى هذه المواجهة من زاوية مختلفة. فالمنتخب الهولندي يواجه فريقا يعرفه من الداخل، ليس فقط بسبب جودة لاعبيه، بل لأن عددا من هؤلاء اللاعبين تشكلوا داخل الفضاء الكروي الهولندي نفسه. وهذا ما يمنح المباراة طابعا خاصا: معرفة متبادلة، وحساسية رياضية، وخلفية إنسانية لا تتوفر في معظم مباريات الأدوار الإقصائية.
من هنا، لا تبدو المباراة مجرد صراع بين “أسود الأطلس” و”الطواحين”، بل لحظة يلتقي فيها تاريخ الهجرة مع حاضر كرة القدم. فالملعب يصبح مرآة لمجتمعات تغيرت بفعل الحركة البشرية، والمنتخب يصبح رمزا لبلد لا يعيش فقط داخل حدوده الجغرافية، بل يمتد عبر جالياته ومواهبه وذاكرته الجماعية في أوروبا.
وقد أثبتت تجربة المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة أن أبناء المهجر لم يعودوا هامشا في المشروع الكروي الوطني، بل أصبحوا جزءا مركزيا من قوته. فمن مونديال قطر 2022 إلى كأس العالم 2026، برزت صورة منتخب قادر على الجمع بين التكوين الأوروبي والروح المغربية، بين الانضباط التكتيكي والاندفاع العاطفي، وبين الاحتراف العالي والارتباط القوي بالقميص.
هذه التركيبة لا تخلو من أسئلة. فكلما اختار لاعب من أصل مغربي تمثيل المغرب بدل بلد الميلاد أو التكوين، يعود الجدل حول معنى الاختيار الدولي، وحول ما إذا كانت الجنسية الرياضية تعكس الانتماء القانوني أم العاطفي. لكن ما تكشفه هذه الاختيارات هو أن كرة القدم، في زمن الهجرة، لم تعد مجرد مسار مهني، بل أصبحت مجالا للتفاوض مع الذات والذاكرة والعائلة والجمهور.
وإذا كانت المباراة ستنتهي بنتيجة رياضية واضحة، فإن معناها الأعمق سيبقى أبعد من صافرة النهاية. إذ ستبقى المواجهة شاهدا على تحول كبير في عالم كرة القدم: المنتخبات لم تعد تعكس الجغرافيا وحدها، بل تعكس أيضا مسارات الهجرة، وتشابك الهويات، وانتقال المواهب بين المدارس والبلدان.
في النهاية، تمنح مباراة المغرب وهولندا فرصة لقراءة كرة القدم من زاوية أخرى. إنها ليست فقط لعبة نتائج، بل لغة اجتماعية تكشف ما تعجز السياسة أحيانا عن قوله بهدوء. ففي هذه المواجهة، يلتقي وطن الأصل ببلد الإقامة، وتتقاطع الذاكرة العائلية مع التكوين الرياضي، ويجد جيل كامل نفسه أمام مباراة تحمل من العاطفة أكثر مما تحمل من الحسابات.
لهذا، تبدو مواجهة المغرب وهولندا أكثر من مباراة في كأس العالم. إنها فصل جديد من قصة طويلة بدأت بعلاقات دبلوماسية مبكرة قبل أكثر من أربعة قرون، ثم امتدت مع مهاجرين حملوا حقائبهم نحو الأراضي المنخفضة، واستمرت مع أبناء وأحفاد وجدوا في كرة القدم مساحة للتعبير عن هوية لا تختار بين ضفتين، بل تحاول أن تصنع معناها بينهما.


