التصعيد الأمريكي الإيراني يهز الهدنة والوسطاء يسابقون عودة الحرب

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من الغموض، بعدما تحولت مذكرة التفاهم التي أوقفت القتال مؤقتا إلى اتفاق هش يتعرض لاختبار عسكري وسياسي هو الأخطر منذ توقيعه في يونيو الماضي.

وبعد يومين من الضربات والضربات المضادة، تراجعت حدة المواجهة نسبيا، في وقت تحركت فيه قطر وباكستان وتركيا ومصر والسعودية لإعادة فتح قنوات التفاوض ومنع انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل. وتؤكد المعطيات المتاحة أن التهدئة لم تعد مستقرة، لكنها لم تمت نهائيا أيضا، ما يضع المنطقة أمام سباق بين التصعيد والوساطة.

وجاءت موجة التصعيد الأخيرة بعد تعرض سفن تجارية لهجمات في مضيق هرمز، لترد واشنطن بضربات واسعة استهدفت مواقع عسكرية إيرانية على امتداد الساحل القريب من المضيق، قالت إنها تستخدم لتخزين وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة وتهديد حرية الملاحة.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها استهدفت نحو 170 موقعا خلال جولتين من الضربات، في أكبر هجوم أمريكي على إيران منذ بدء العمل بمذكرة التفاهم. وردت طهران بهجمات صاروخية ومسيرات قالت إنها استهدفت منشآت عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين، كما امتدت حالة الاستنفار إلى دول أخرى في المنطقة.

وقالت السلطات الإيرانية إن الضربات خلفت 14 قتيلا و78 مصابا، إلى جانب أضرار طالت منشآت للنقل والموانئ والسكك الحديدية ومواقع في محيط محطة بوشهر النووية. وفي المقابل، قالت واشنطن إن عملياتها استهدفت القدرات العسكرية المرتبطة بالهجمات على الملاحة، وليس المنشآت المدنية.

هذا التبادل أعاد إلى الواجهة سؤالا لم يعد نظريا: هل انتهت الهدنة فعلا؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن مذكرة التفاهم ووقف إطلاق النار أصبحا منتهيين، واتهم إيران بعدم احترام الاتفاق، لكنه عاد في الوقت نفسه ليؤكد أن طهران تريد التوصل إلى صفقة، وأن واشنطن لا تزال قادرة على حسم المواجهة عسكريا إذا استؤنفت الحرب الشاملة.

ويكشف هذا الخطاب المتناقض أن الإدارة الأمريكية لم تغلق الباب بالكامل أمام التفاوض. فترامب يريد إعادة فتح مضيق هرمز ومنع إيران من فرض شروطها على حركة السفن، لكنه لا يبدو راغبا في العودة إلى حرب طويلة ومفتوحة، خاصة في ظل التداعيات المحتملة على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.

ولهذا السبب، استمرت المحادثات التقنية رغم الضربات. وأكد مسؤولون أمريكيون أن الإدارة لا تزال ملتزمة بالبحث عن تسوية، وأن الاتصالات على المستوى الفني لم تتوقف، حتى بعد إعلان ترامب نهاية الاتفاق. كما لم تنفذ واشنطن ضربات جديدة خلال الساعات الأخيرة، في مؤشر على نجاح الجهود الدبلوماسية مؤقتا في خفض مستوى التصعيد.

وتقود قطر وباكستان حاليا التحرك الأبرز لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاتفاق. فقد توجه مفاوضون قطريون إلى إيران بالتنسيق مع واشنطن، بينما كثف مسؤولون باكستانيون اتصالاتهم مع الطرفين من أجل وقف الضربات وتحديد موعد جديد للمفاوضات.

وشملت الاتصالات أيضا تركيا ومصر والسعودية، في محاولة لبناء مظلة إقليمية تمنع انتقال المواجهة من تبادل محدود للضربات إلى حرب تمتد إلى كامل الخليج. وتعتقد بعض الأطراف الوسيطة أن الطرفين حققا تقدما خلال الجولات السابقة، وأن انهيار المسار الآن سيعيد الملفات إلى نقطة الصفر.

ولا تقتصر الأزمة على مسألة وقف إطلاق النار، بل ترتبط بجوهر الخلاف حول مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية.

فالمضيق يشكل العقدة الأكثر تفجرا في الاتفاق. إيران تصر على أن عبور السفن يجب أن يتم وفق ترتيبات تضمن لها دورا في تنظيم الملاحة، بينما تعتبر واشنطن أي محاولة لفرض قيود على الممر تهديدا مباشرا للتجارة الدولية وحرية الملاحة.

وكانت المحادثات التقنية السابقة في الدوحة قد ركزت بصورة كبيرة على المضيق، إلى جانب مسألة الأصول الإيرانية المجمدة وترتيبات الاتفاق النووي. لكن هذه الملفات لم تصل إلى تسوية نهائية، وهو ما جعل الهدنة أقرب إلى تجميد مؤقت للنزاع منها إلى اتفاق سلام مكتمل.

وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في مذكرة التفاهم. فقد أوقفت القتال، لكنها لم تعالج مصادره. كما قامت على التزام مشروط بأداء الطرفين، دون آلية قوية وملزمة للتحقق من الخروقات أو احتوائها.

وبمجرد وقوع هجمات السفن، اعتبرت واشنطن أن إيران خرقت التفاهم، بينما رأت طهران أن الضربات الأمريكية والعقوبات الجديدة تمثل انتهاكا للاتفاق. وهكذا تحول كل طرف إلى قاض في تفسير التزامات الطرف الآخر، وانفجر الخلاف الذي كان مؤجلا منذ البداية.

كما زاد سحب واشنطن الترخيص الذي كان يسمح لإيران ببيع جزء من نفطها ومنتجاتها البتروكيماوية الضغط على الاتفاق، لأنه حرم طهران من أحد أهم الحوافز الاقتصادية المرتبطة بالتهدئة. وفي المقابل، يمنح استمرار التوتر في هرمز إيران ورقة ضغط شديدة الحساسية، بالنظر إلى مرور نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عبر هذا الممر.

وتبدو دول الخليج الأكثر قلقا من استمرار هذه المعادلة. فحتى عندما تستهدف إيران قواعد أمريكية، فإن الصواريخ تمر فوق أجواء دول المنطقة أو تسقط على أراضيها، كما أن تعطيل الملاحة يرفع تكاليف الطاقة والتأمين والنقل ويهدد الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.

لذلك، لا تنظر العواصم الخليجية إلى الوساطة باعتبارها خدمة لواشنطن أو طهران، بل باعتبارها دفاعا مباشرا عن أمنها ومصالحها.

وفي ضوء المعطيات الحالية، يمكن القول إن وقف إطلاق النار انهار عمليا خلال موجة التصعيد الأخيرة، لكنه لم يسقط سياسيا بصورة نهائية. فالقنوات لا تزال مفتوحة، والوسطاء يتحركون، والمحادثات التقنية مستمرة، فيما خفت وتيرة الضربات بعد يومين من المواجهة.

غير أن العودة إلى الهدوء لن تكون كافية وحدها. فنجاح الوساطة يتطلب اتفاقا أكثر وضوحا حول أمن الملاحة في هرمز، وآليات التحقق من الالتزام، ومستقبل العقوبات، والبرنامج النووي، وحدود استخدام القوة.

أما إذا اكتفى الطرفان بإعادة تجميد القتال دون معالجة هذه العقد، فإن الهدنة المقبلة ستظل قابلة للانفجار عند أول حادث بحري أو ضربة عسكرية جديدة. وبذلك، لا تقف المنطقة حاليا بين الحرب والسلام، بل داخل مساحة رمادية تحكمها هدنة مسلحة، يمكن أن تنقذها الوساطة أو تدفعها شرارة أخرى إلى مواجهة أوسع.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img