النفط وحرب الشرق الأوسط يعيدان التضخم العالمي إلى الواجهة

عاد التضخم ليضغط على آفاق الاقتصاد العالمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثير ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على كلفة الطاقة والشحن وسلاسل التوريد.

وبحسب استطلاع حديث لوكالة رويترز، شمل نحو 500 اقتصادي، فإن التضخم المرتفع سيظل أحد أبرز مصادر الضغط على الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة، بعدما جرى رفع توقعات التضخم في 39 اقتصادا من أصل 50 شملها الاستطلاع.

وأظهر الاستطلاع أيضا خفض توقعات النمو في 32 اقتصادا خلال سنة 2026، في مؤشر على أن الأسواق والحكومات قد تواجه مزيجا صعبا من تباطؤ النمو واستمرار الضغوط السعرية.

ويربط الاقتصاديون هذه الضغوط، جزئيا، بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط وبصعود أسعار النفط بأكثر من 20 في المائة منذ فبراير، وهو ما يعيد الطاقة إلى قلب معادلة التضخم العالمي بعد فترة اعتقدت فيها الأسواق أن موجة الأسعار بدأت تتراجع تدريجيا.

ولا يقتصر أثر ارتفاع النفط على كلفة الوقود فقط، بل يمتد إلى النقل، والشحن البحري، والصناعة، والغذاء، والأسمدة، بما يجعل أي اضطراب في منطقة الشرق الأوسط قابلا للتحول بسرعة إلى ضغط مباشر على أسعار السلع والخدمات في عدة اقتصادات.

وتأتي هذه المؤشرات في لحظة دقيقة بالنسبة للبنوك المركزية، خاصة أن عددا منها كان يستعد لتخفيف السياسة النقدية بعد سنوات من التشديد. غير أن عودة أسعار الطاقة إلى الارتفاع قد تدفعها إلى التريث، خوفا من موجة تضخمية جديدة يصعب احتواؤها.

ويطرح هذا الوضع معضلة واضحة: خفض الفائدة قد يدعم النمو والاستثمار، لكنه قد يغذي التضخم إذا ظلت أسعار الطاقة مرتفعة. أما الإبقاء على الفائدة مرتفعة فقد يحد من التضخم، لكنه يزيد كلفة التمويل ويضغط على الاستهلاك والاستثمار.

وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، ومنها المغرب، لأن ارتفاع النفط ينعكس على كلفة الواردات، والميزان التجاري، وأسعار النقل والإنتاج، كما يمكن أن يضغط على المالية العمومية إذا تطلب الأمر إجراءات لدعم القدرة الشرائية أو احتواء كلفة بعض المواد الأساسية.

ومن زاوية أوسع، يكشف الاستطلاع أن التضخم لم يعد نتيجة طلب داخلي قوي فقط، بل أصبح مرتبطا أكثر بعوامل جيوسياسية خارجة عن سيطرة الحكومات والبنوك المركزية، من الطاقة إلى الممرات البحرية، ومن الحروب إلى سلاسل التوريد.

لذلك، فإن عودة التضخم العالمي تحت ضغط النفط وحرب الشرق الأوسط لا تعني مجرد تغير في الأرقام الاقتصادية، بل تؤشر إلى هشاشة أكبر في النظام الاقتصادي العالمي، حيث يمكن لأزمة إقليمية أن تتحول بسرعة إلى موجة أسعار عابرة للقارات.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img