في قراءة للمحيط.. 3 محللين يفككون التحولات الاستراتيجية في خطاب العرش

لم يكن الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة عيد العرش، في نظر عدد من الباحثين، مجرد وقفة لتقييم حصيلة سنة من العمل، بل حمل ملامح رؤية استراتيجية تؤطر المرحلة المقبلة، وتحدد أولويات الدولة في سياق إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة.

وفي قراءة خاصة لـ”المحيط”، قدم ثلاثة أكاديميين ومحللين سياسيين مقاربات متقاطعة لرسائل الخطاب، خلصت إلى أنه يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على ترسيخ قوة الدولة، وتعزيز السيادة الاقتصادية والتكنولوجية، والحفاظ على الاستقرار، وتأهيل المؤسسات لمواكبة الاستحقاقات المقبلة.

ورغم اختلاف زوايا القراءة، فإن تصريحات كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس، وعتيق السعيد، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، والمحلل السياسي محمد شقير، تتقاطع عند فكرة أساسية مفادها أن الخطاب لم يكتف بتشخيص الواقع أو استعراض المنجزات، بل رسم الإطار الاستراتيجي الذي ستتحرك داخله السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة.

ويقول كمال الهشومي، في تصريح لـ”المحيط”، إن الرسالة الأبرز في الخطاب تتمثل في تأكيد استمرارية الدولة باعتبارها الضامن الحقيقي لاستمرار المشاريع الكبرى، موضحا أن المغرب يشتغل وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى لا تتغير بتغير الحكومات، وإنما تتولى هذه الأخيرة تنفيذها في إطار اختصاصاتها الدستورية.

ويضيف الهشومي، أن الخطاب يعكس انتقال المغرب من مرحلة بناء البنيات الأساسية إلى مرحلة بناء عناصر القوة الوطنية الشاملة، حيث لم يعد الرهان مقتصرا على تحقيق النمو الاقتصادي، بل أصبح يرتبط بامتلاك التكنولوجيا، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز الأمن السيبراني، والاستثمار في الهيدروجين الأخضر والبطاريات الكهربائية والصناعات الدفاعية، باعتبارها ركائز السيادة في عالم تتزايد فيه المنافسة على التكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإنتاج.

ويعتبر الهشومي أن مفهوم السيادة نفسه عرف تحولا عميقا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد يقتصر على البعد السياسي أو الأمني، وإنما أصبح يشمل كذلك القدرة على إنتاج التكنولوجيا، وتأمين الموارد الاستراتيجية، وبناء اقتصاد أكثر استقلالية وقدرة على مواجهة التقلبات الدولية.

ومن زاوية أخرى، يرى عتيق السعيد، في تصريح لـ”المحيط”، أن الخطاب أعاد التأكيد على قيمة الاستقرار السياسي والمؤسساتي باعتباره أحد أهم عناصر القوة المغربية، خاصة في ظل ما يشهده المحيط الإقليمي والدولي من أزمات متلاحقة وتوترات جيوسياسية متزايدة.

ويضيف السعيد ، أن الاستقرار لم يعد مجرد معطى داخلي، بل تحول إلى رأسمال استراتيجي يمنح المغرب القدرة على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين في المملكة، مؤكدا أن الحفاظ على انتظام المؤسسات واستمرار الأوراش الكبرى يمثل اليوم إحدى أبرز نقاط القوة في النموذج المغربي.

ويشير المتحدث عينه، إلى أن المكتسبات التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة جاءت نتيجة رؤية تقوم على المبادرة، والمتابعة، والتقييم المستمر، مع تصحيح الاختلالات كلما اقتضت الضرورة، وهو ما يجعل الخطاب، في تقديره، دعوة إلى مواصلة هذا النهج خلال المرحلة المقبلة.

أما المحلل السياسي محمد شقير، فيقول لـ”المحيط” إن الخطاب حمل أيضا رسالة سياسية واضحة ترتبط بالاستحقاقات التشريعية المقبلة، معتبرا أن نجاح المرحلة القادمة يظل رهينا بقدرة الأحزاب على تقديم نخب سياسية تمتلك الكفاءة والخبرة اللازمتين لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب.

ويضيف شقير ، أن الملفات التي تضمنها الخطاب، وعلى رأسها الصناعات الدفاعية، والهيدروجين الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الصناعي، تحتاج إلى مؤسسات منتخبة ونخب سياسية قادرة على استيعاب هذه التحولات وتحويلها إلى سياسات وتشريعات تدعم تنافسية المملكة وتعزز موقعها الإقليمي.

كما يرى أن تنظيم الانتخابات في موعدها الدستوري يحمل رسالة إلى الخارج مفادها أن المغرب يواصل ترسيخ استقراره المؤسساتي رغم التحولات التي تعرفها المنطقة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب برلمانا أكثر كفاءة وقدرة على مواكبة الأوراش الاستراتيجية، والترافع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية.

وتكشف القراءات الثلاث، رغم اختلاف منطلقاتها، عن خيط ناظم يجمع بينها، يتمثل في أن خطاب العرش نقل النقاش من سؤال تقييم حصيلة الماضي إلى سؤال بناء المستقبل. فبينما ركز الهشومي على استمرارية الدولة وتعزيز السيادة، أبرز السعيد أهمية الاستقرار باعتباره شرطا لاستمرار التنمية، في حين ربط شقير نجاح المرحلة المقبلة بقدرة النخب والمؤسسات على مواكبة التحولات الكبرى.

وتخلص هذه القراءة إلى أن الخطاب لم يقدم برنامجا حكوميا جديدا بقدر ما وضع الإطار الاستراتيجي الذي ستتحرك داخله الدولة خلال السنوات المقبلة، واضعا رهانات السيادة الاقتصادية، والتحول التكنولوجي، والاستقرار المؤسساتي، وتجديد النخب في قلب مشروع مغرب المرحلة المقبلة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img