في تطور يكشف عن تحول استراتيجي في سياسة موريتانيا الأمنية، وتصاعد التوتر على حدودها الشمالية، نجح الجيش الموريتاني أول من أمس في إحباط محاولة تسلل لعشرات المسلحين التابعين لجبهة البوليساريو، مستخدماً طائراته المسيرة الجديدة التي غيرت قواعد الاشتباك في المنطقة.
تفاصيل الإحباط والتصعيد الميداني
بحسب مصادر إعلامية إقليمية، رصدت طائرة مسيرة موريتانية قافلة مشبوهة تضم حوالي عشر مركبات تحمل لوحات تسجيل موريتانية، كانت تحاول التسلل خلسة إلى الأراضي الموريتانية.
وكشفت المصادر أن هذه المركبات كانت تقل عناصر من البوليساريو يرتدون ملابس مدنية، وكانوا يخططون لاستغلال الأراضي الموريتانية كمنطلق لتنفيذ هجمات ضد مواقع للقوات المسلحة الملكية المغربية أو أهداف مدنية غرب الجدار الأمني.
عملية الرصد والمطاردة الجوية التي نفذتها المسيّرات الموريتانية أجبرت القافلة المسلحة على التراجع والعودة أدراجها نحو مخيمات تندوف داخل التراب الجزائري، دون تحقيق أهدافها.
سياق سياسي متوتر: رسالة مرفوضة وإغلاق استراتيجي
يأتي هذا الحادث الميداني في سياق سياسي مشحون، فقبل أقل من أسبوع على هذه الواقعة، استقبل الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني وفداً قيادياً من جبهة البوليساريو، حاملاً رسالة يُعتقد أنها تضمنت طلباً ملحاً لإعادة فتح منطقة “لبريكة” الحدودية مع الجزائر.
وكان الجيش الموريتاني قد أعلن في 21 مايو الماضي إغلاق منطقة “لبريكة” بالكامل، واعتبارها منطقة عسكرية محظورة على المدنيين.
وجاء هذا القرار، الذي يبدو أن نواكشوط متمسكة به، كخطوة استراتيجية تهدف إلى فرض سيادة الدولة، وتطويق الانفلات الأمني، وقطع الطريق أمام شبكات التهريب المنظم (أسلحة، مخدرات، بشر) التي كانت تستغل هذه المنطقة كنقطة عبور حيوية لقربها من مخيمات تندوف.
التحول الاستراتيجي: من حدود هشة إلى قبضة حديدية
يُظهر اعتراض القافلة وإغلاق “لبريكة” بوضوح إصرار نواكشوط على تغيير قواعد اللعبة وتأمين حدودها الشرقية التي وُصفت طويلاً بالهشة. ويعود هذا التحول في القدرة إلى امتلاك الجيش الموريتاني منذ يونيو 2024 طائرتين مسيرتين صينيتين متطورتين من طراز (BZK-005)، حصل عليهما من شركة “نورينكو”، مما منحه قدرات ردع ومراقبة لم تكن متاحة له من قبل.
ويتعزز هذا التوجه بدعم دولي، حيث تعهد الاتحاد الأوروبي بتزويد موريتانيا وتشاد بمزيد من الطائرات بدون طيار، في إطار دعم ما تبقى من مجموعة دول الساحل الخمس (G5)، بعد انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
في المحصلة، يمثل الحادث الأخير رسالة موريتانية واضحة بأنها لن تسمح باستغلال أراضيها في أي صراع إقليمي، وأنها باتت تملك الإرادة والقدرة العسكرية لفرض سيادتها الكاملة على حدودها، ورسم خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وهو ما يضع جبهة البوليساريو أمام واقع استراتيجي جديد ومعقد.