أعادت الرسوم الجديدة المفروضة على الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال دراستهم بنظام التوقيت الميسر، النقاش حول مستقبل مجانية التعليم العالي في المغرب، بعدما تجاوز الجدل احتجاجات الطلبة والمتضررين ووصل إلى مكونات الأغلبية الحكومية نفسها، وسط انقسام سياسي وتساؤلات قانونية عن مشروعية الإجراء وآثاره الاجتماعية.
وتصل الرسوم المتداولة، وفق المعطيات الواردة في البيانات الصادرة بشأن خلاصات ندوة رؤساء الجامعات، إلى 5 آلاف درهم سنويا في سلك الإجازة و15 ألف درهم في الماستر، فيما تتراوح في بعض تكوينات الدكتوراه بين 18 و20 ألف درهم سنويا، ما يجعل استكمال المسار الجامعي مكلفا بالنسبة إلى شريحة واسعة من الموظفين والأجراء.
ولا تشمل هذه الرسوم الطلبة المسجلين في التكوين العادي، بل تستهدف الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم ضمن نظام التوقيت الميسر. غير أن هذا التمييز لم ينه الجدل، إذ يرى الرافضون أن الالتحاق بسوق العمل لا يسقط عن المواطن حقه في الاستفادة من مجانية الجامعة العمومية.
وكان وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، قد دافع أمام البرلمان عن قانونية الرسوم، مؤكدا أن القضاء منح الوزارة الحق في قضايا عرضت عليه، وأن الإطار القانوني الجديد حسم المسألة.
وشدد الوزير على أن التعليم العمومي يظل مجانيا بالنسبة إلى الطلبة، مميزا بينهم وبين الموظفين والأجراء الذين عادوا إلى الجامعة بعد الالتحاق بسوق العمل. كما أقر بأن تجربة التوقيت الميسر حديثة، وقد تكون شهدت بعض الأخطاء التي تحتاج إلى التصحيح.
وفي محاولة لاستجلاء موقف الوزارة من موجة الجدل الجديدة، تواصل المحيط مع ديوان وزير التعليم العالي لطلب توضيحات بشأن الأساس القانوني للرسوم ومعايير تحديد قيمتها والضمانات المتعلقة باستمرار مجانية الجامعة، غير أن الديوان رفض التعليق.
وأعاد الإعلان عن توحيد الرسوم إلى الواجهة السؤال المتعلق بمدى انسجامها مع الفصل 31 من الدستور، الذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية بتيسير أسباب استفادة المواطنين من الحق في التعليم، ومع المادة 45 من القانون الإطار 51.17، التي تنص على ضمان الدولة مجانية التعليم العمومي في جميع أسلاكه وتخصصاته، والعمل على جعله في متناول المواطنين على قدم المساواة.
وفي قراءة قانونية للجدل، قال أستاذ للقانون الدستوري، فضل عدم الكشف عن هويته، للمحيط، إن المسألة واضحة وتستوجب عرضها على المحكمة الدستورية لحسم مدى انسجام فرض الرسوم مع مبدأ مجانية التعليم.
واعتبر الأستاذ أن ما أقدمت عليه الوزارة يثير إشكالا دستوريا، مؤكدا أن التعليم العمومي لا يفترض إخضاعه للأداء، وأن التمييز يجب أن يظل قائما بين المرفق العمومي والمؤسسات الخاصة، كما هو الحال في قطاع الصحة بين المستشفى العمومي والمصحة الخاصة.
وأضاف أن التعليم يحتل مكانة مركزية بين المؤسسات العمومية، لأنه يمثل أولى لبنات بناء الدولة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خدمة قابلة للتسعير بحسب الوضع المهني أو الاجتماعي للمواطن.
وتواصل المحيط مع عدد من أساتذة القانون الدستوري لاستطلاع آرائهم في الملف، غير أن أغلبهم تحفظوا عن الإدلاء بمواقف علنية بالنظر إلى حساسية الموضوع وارتباطهم المهني بقطاع التعليم العالي.
ولم يخل المسار القضائي بدوره من تطورات متباينة. ففي بداية دجنبر 2025، قضت المحكمة الإدارية بوجدة بإيقاف تنفيذ قرار مجلس جامعة محمد الأول، المؤرخ في فاتح أكتوبر من السنة نفسها، والقاضي بفرض رسوم قدرها 15 ألف درهم على طلبة الدكتوراه الموظفين والأجراء، إلى حين البت في دعوى الإلغاء.
غير أن محكمة الاستئناف الإدارية بفاس، المختصة بالنظر في الطعون ضد أحكام إدارية وجدة، ألغت في 17 فبراير 2026 الحكم الاستعجالي، ورفضت طلب إيقاف التنفيذ لعدم توفر شروطه.
وفي المسار المتعلق بجوهر النزاع، قضت المحكمة الإدارية بوجدة، بموجب حكم صادر في دجنبر 2025، بإلغاء قرار مجلس الجامعة المتعلق بفرض الرسوم. لكن محكمة الاستئناف الإدارية بفاس عادت في 31 مارس 2026، وألغت الحكم الابتدائي ثم رفضت طلب إلغاء قرار الجامعة، مقرة بذلك مشروعية الرسوم في القضية المعروضة عليها.
وبموازاة الجدل القانوني، انتقل الخلاف إلى داخل الأغلبية الحكومية، بعدما وجه منصف الطوب، النائب البرلماني عن حزب الاستقلال، سؤالا كتابيا إلى وزير التعليم العالي بشأن ارتفاع الرسوم المفروضة على بعض مسالك الإجازة والماستر والدكتوراه.
وحذر الطوب من تحول الرسوم إلى حاجز مالي يحرم فئات من الطلبة من استكمال مسارها الجامعي، متسائلا عن الأساس القانوني الذي تستند إليه الجامعات ومبررات تحديد مبالغ لا تراعي القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الطلبة والأسر المغربية.
كما طالب بالكشف عن التدابير المزمع اتخاذها لمراعاة خصوصية الطلبة الأجراء، سواء على مستوى الرسوم أو برمجة الدراسة والامتحانات، وإجراء تقييم وطني مستقل وشفاف لآثار هذه السياسة على الولوج إلى التعليم العالي وجودة التكوين والبحث العلمي.
وجاء الاعتراض الثاني من داخل المحيط السياسي للأغلبية عبر الفيدرالية الوطنية للطلبة التجمعيين، المرتبطة بحزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة، إذ عبرت في بيان عن قلقها من التوجه نحو فرض رسوم تجعل الولوج إلى الدراسات العليا مرتبطا بالقدرة المادية.
واعتبرت الفيدرالية أن هذا التوجه يهدد تكافؤ الفرص ويعمق الفوارق الاجتماعية، مؤكدة أن الجامعة العمومية يجب أن تظل فضاء لإنتاج المعرفة وتكوين الكفاءات وخدمة المشروع التنموي الوطني، وألا تتحول إلى مؤسسة تنقل أعباءها المالية إلى الطلبة والأسر.
ورأت أن إصلاح التعليم العالي يمر عبر تحسين جودة التكوين وتطوير البحث العلمي وتأهيل البنيات الجامعية وتعزيز الحكامة والرفع من الميزانيات المخصصة للجامعات، وليس عبر تحميل الطلبة والأسر أعباء مالية إضافية.
وأعلنت الفيدرالية رفضها لأي توجه يقيد ولوج الطلبة إلى الدراسات العليا بسبب اعتبارات مادية، داعية وزارة التعليم العالي إلى مراجعة القرار وفتح نقاش وطني مسؤول وشفاف حول مستقبل الجامعة العمومية، بمشاركة الطلبة والأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والتقنية ومختلف الهيئات التمثيلية.
وحذرت من أن أي إصلاح لا يحظى بثقة الأسرة الجامعية ولا ينبني على الحوار والتوافق سيكون مآله فقدان المشروعية المجتمعية وتوسيع الهوة بين صناع القرار والطلبة، في وقت تحتاج فيه الجامعة المغربية إلى سياسات تعزز الثقة بدل قرارات تثير الاحتقان والجدل.
وفي المقابل، دخل أحمد التويزي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي ينتمي إليه وزير التعليم العالي، على خط النقاش مدافعا عن الرسوم. وقال التويزي إن دراسة أجريت بإقليم الحوز أظهرت أن 70 في المائة من الأساتذة يتابعون دراستهم الجامعية، معتبرا أن ذلك يتم على حساب مصلحة التلاميذ.
وأثار التصريح موجة اعتراضات داخل الأوساط التعليمية، بعدما طالبت فاطمة التامني، النائبة عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، بالكشف عن الدراسة التي استند إليها التويزي، ومنهجيتها وحجم عينتها، وما إذا كانت نتائجها منشورة ومتاحة للرأي العام.
واعتبرت التامني أن توجيه اتهام إلى آلاف الأساتذة استنادا إلى رقم غير موثق يمثل إساءة جماعية لنساء ورجال التعليم، محذرة من استخدام معطيات غير مثبتة لتبرير قرار سياسي يتعلق بمستقبل مجانية الجامعة العمومية.
كما طالب يونس فراشين، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم، التويزي بالكشف عن الجهة التي أنجزت الدراسة وكيفية إعدادها وحجم العينة التي اعتمدتها، أو التراجع عن تصريحاته وتقديم اعتذار إلى نساء ورجال التعليم.
وأكد فراشين أن متابعة الأساتذة لدراستهم الجامعية حق قانوني يندرج ضمن تطوير الكفاءات، ولا يجوز تحويله إلى تهمة أو ربطه بالإخلال بالواجب المهني من دون أدلة موثقة. كما طالب قيادة حزب الأصالة والمعاصرة بتوضيح ما إذا كانت تصريحات التويزي تعبر عن موقف شخصي أم عن موقف رسمي للحزب.
وفي المعارضة، اعتبر عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، خلال مروره ببرنامج على القناة الأولى أن فرض الرسوم على الموظفين لا معنى له، لأن الموظف الذي يعود إلى الجامعة يسعى إلى تطوير معارفه وكفاءاته، ولا ينبغي معاقبته بسبب وضعيته المهنية.
وأصدر تحالف اليسار بدوره بيانا تحت شعار «لا لضرب مجانية التعليم العالي.. لا لتسليع التعليم العالي»، اعتبر فيه أن الرسوم تنقل تداعيات تراجع تمويل البحث العلمي وضعف ميزانيات الجامعات إلى جيوب الموظفين والأجراء.
وقدر التحالف أن كلفة المسار الدراسي الكامل قد تتجاوز 14 مليون سنتيم، معتبرا أن رسوم الدكتوراه وحدها تفوق أجرة ستة أشهر بالنسبة إلى أجير يتقاضى الحد الأدنى للأجور، قبل احتساب مصاريف الكراء والتنقل والأسرة والمراجع والنشر العلمي.
ورأى التحالف أن التوقيت الميسر يعكس توجها يفتح الباب أمام تسليع التعليم العالي وتقسيم الجامعة العمومية، مؤكدا أن إصلاحها لا ينبغي أن يتم عبر فرض الرسوم، بل من خلال سياسة عمومية تعيد الاعتبار للتعليم العالي والبحث العلمي باعتبارهما استثمارا استراتيجيا في التنمية.
وطالب بالتراجع الفوري عن الرسوم وإصدار مذكرة وزارية تؤكد مجانية التعليم العالي العمومي في جميع أسلاكه، إلى جانب فتح حوار وطني حول مستقبل الجامعة ورفع ميزانية القطاع والبحث عن الموارد خارج جيوب الموظفين والأجراء.
وبموازاة السجال السياسي والقانوني، يتمسك الموظفون والأجراء المتضررون بالإلغاء الكامل للرسوم.
وفي هذا الصدد قال زكرياء مزواري، عضو التنسيقية الوطنية للموظفين والأجراء المفروض عليهم التوقيت الميسر، للمحيط، إن هذه الرسوم لم تعد مجرد أرقام تضاف إلى واجبات التسجيل، بل تحولت إلى حاجز مالي أمام الحق في التعليم.
وأوضح مزواري أن عددا من الطلبة الموظفين أصبحوا أمام خيار الاستمرار في الدراسة على حساب التزاماتهم الأسرية والمعيشية، أو التخلي عن مشاريعهم الأكاديمية، معتبرا أن الرسوم جعلت التكوين المستمر أكثر صعوبة بدل تشجيعه.
وأكد أن مطلب التنسيقية هو الإلغاء الكامل وليس التخفيض، لأن اعتراضها لا يرتبط بقيمة الرسوم فقط، بل بمبدأ تحويل التعليم إلى خدمة مؤدى عنها وربط الولوج إلى الجامعة بالقدرة المالية عوض الكفاءة والاستحقاق.
وطالب بفتح حوار مؤسساتي مع ممثلي المتضررين ومراجعة المقتضيات التي تمس مجانية التعليم، محذرا من أن استهداف الموظفين والأجراء اليوم قد يفتح الباب مستقبلا أمام توسيع الأداء ليشمل فئات أخرى.
ويزداد الجدل حدة في ظل إعفاء موظفي وزارة التعليم العالي من رسوم التوقيت الميسر، وهو إجراء أثار تساؤلات عن المساواة بين موظفي القطاع وباقي الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال دراستهم داخل المؤسسات الجامعية نفسها.
وهكذا، لم يعد الخلاف متعلقا فقط بكلفة تنظيم الدراسة خارج أوقات العمل، بل أصبح اختبارا سياسيا وقانونيا لمفهوم الجامعة العمومية وحدود المجانية فيها، خصوصا بعد انتقال الاعتراض إلى داخل الأغلبية الحكومية وتمسك الموظفين والأجراء باعتبار التعليم حقا لا تسقطه الوظيفة ولا ينبغي أن تحدده القدرة على الدفع.


