راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة مؤشرات متقدمة في الصناعة، من السيارات والطيران إلى الصناعات الكهربائية والإلكترونية، بالتوازي مع ارتفاع الصادرات واستقطاب استثمارات جديدة.
لكن خلف هذه الدينامية تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: الصناعة تتوسع، بينما لا يتقدم التشغيل بالسرعة نفسها، وتظل البطالة، خصوصا بين الشباب وحاملي الشهادات، واحدة من أبرز نقاط الضغط على الاقتصاد المغربي.
تكشف أرقام سنة 2025 جزءا من هذه المفارقة. فقد أحدث الاقتصاد الوطني 193 ألف منصب شغل، مقابل 82 ألفا في السنة السابقة، لكن مساهمة الصناعة لم تتجاوز 46 ألف منصب.
وجاءت الخدمات في المقدمة بـ123 ألف وظيفة، ثم البناء والأشغال العمومية بـ64 ألفا، في حين فقد قطاع الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب.
وفي المقابل، واصلت الآلة الصناعية تعزيز حضورها في التجارة الخارجية.
وتشير أحدث مؤشرات وزارة الصناعة والتجارة إلى بلوغ الصادرات الصناعية 370 مليار درهم حتى نهاية نونبر 2025، في مؤشر على اتساع قدرة المغرب الإنتاجية والتصديرية.
المفارقة هنا ليست أن الصناعة لا تخلق الوظائف. فهي تفعل ذلك بالفعل، وإنما في أن ارتفاع الإنتاج والاستثمار والصادرات لا يترجم إلى نمو مماثل في عدد فرص العمل، في وقت تدخل فيه أعداد جديدة إلى سوق الشغل كل سنة.
وتظهر حصيلة 2025 حجم الضغط. فوفق المنهجية التي كانت تعتمدها المندوبية السامية للتخطيط آنذاك، بلغ عدد العاطلين 1.621 مليون شخص، واستقر معدل البطالة عند 13 في المائة، مقابل 13.3 في المائة سنة 2024.
وكانت الصورة أكثر حدة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة، حيث وصل المعدل إلى 37.2 في المائة، وبين النساء إلى 20.5 في المائة، بينما بلغ 19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات.كما لم تكن البطالة المؤشر الوحيد على صعوبة سوق العمل.
فقد ارتفع عدد الأشخاص في وضعية شغل ناقص من 1.082 مليون إلى 1.190 مليون شخص خلال 2025، وانتقل معدل الشغل الناقص من 10.1 إلى 10.9 في المائة. وهذا يعني أن جزءا من المشكلة لا يتعلق فقط بالحصول على وظيفة، وإنما أيضا بعدد ساعات العمل والدخل ومدى ملاءمة العمل المتاح لتطلعات الباحثين عنه.
لكن النصف الأول من 2026 حمل إشارات مختلفة. فقد شرعت المندوبية في تطبيق بحث جديد حول اليد العاملة، يحمل اسم EMO2026، ويعيد تعريف عدد من المؤشرات، وفي مقدمتها التشغيل والبطالة.
ووفق هذا الإطار، لا يعتبر عاطلا بالمفهوم الضيق إلا الشخص الذي لا يعمل، ويكون متاحا للعمل ويبحث عنه فعليا.وبحلول الفصل الثاني من 2026، بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق 9.5 في المائة، مقابل 10.8 في المائة في الفصل الأول.
وتراجع عدد العاطلين بنحو 132 ألف شخص خلال ثلاثة أشهر، ليستقر في حدود 1.121 مليون، بينما ارتفع عدد المشتغلين مقابل دخل إلى نحو 10.643 ملايين شخص.والأهم أن السلسلة الاسترجاعية التي أعدتها المندوبية تسمح بمقارنة أكثر دقة.
فبحسب الأرقام المعاد احتسابها وفق المنهجية الجديدة نفسها، كان معدل البطالة بالمفهوم الضيق في الفصل الثاني من 2025 عند 11.1 في المائة، قبل أن ينخفض إلى 9.5 في المائة في الفصل الثاني من 2026. أي أن التحسن لا يفسر فقط بتغيير طريقة القياس، وإن كان تغيير المنهجية يفرض الحذر عند مقارنة الأرقام الجديدة مباشرة بنسبة 13 في المائة المنشورة سابقا عن سنة 2025.
ورغم هذا التحسن، تكشف التفاصيل أن الضغط لم يختف. فقد بلغت البطالة في الفصل الثاني من 2026 نحو 27.2 في المائة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة، و14.8 في المائة لدى النساء، كما وصلت إلى 16.7 في المائة بين حاملي الشهادات العليا.
وهذه الفجوة بين الدينامية الاقتصادية والقدرة على إدماج الشباب في سوق العمل هي التي تجعل سؤال الصناعة أكثر تعقيدا من مجرد حساب عدد المصانع الجديدة.
الخبير الاقتصادي إدريس الفينة يرى أن سوق الشغل المغربي يعيش مفارقة بين عرض كبير لليد العاملة واستمرار البطالة من جهة، وبين وجود مقاولات تبحث عن كفاءات لا تجدها بالسهولة المطلوبة من جهة أخرى.
وأوضح الفينة، في تصريح لـ”المحيط”، أن جزءا من المشكلة يرتبط بعدم التطابق بين التكوين والمؤهلات التي يحملها الباحثون عن العمل وبين الاحتياجات الفعلية للمقاولات، إلى جانب عامل الأجور، إذ إن بعض فرص العمل المتاحة لا تستجيب لتطلعات فئات من الشباب من حيث مستوى الدخل وظروف العمل.
ويضيف الفينة بعدا آخر يتعلق بطبيعة الطفرة الصناعية نفسها. فليس كل استثمار صناعي كبير بالضرورة مولدا لآلاف الوظائف، خصوصا مع تحول الصناعة نحو خطوط إنتاج أكثر تطورا واعتمادا على التكنولوجيا والأتمتة.
وبهذا المعنى، يمكن لمصنع جديد أن يرفع الإنتاج والصادرات والقيمة المضافة بدرجة كبيرة، من دون أن يرتفع عدد العمال بالنسبة نفسها.
وكلما انتقلت الصناعة المغربية إلى مستويات تكنولوجية أعلى، أصبحت الإنتاجية والكفاءة والاستثمار في الآلات والبرمجيات عناصر أكثر وزنا في العملية الإنتاجية.
ويرى الفينة أن هذا الاتجاه مرشح للتعزز خلال السنوات المقبلة مع دخول الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر إلى عمليات الإنتاج والتسيير، وهو ما قد يسمح للمقاولات برفع الإنتاج وتقليص بعض تكاليف التشغيل، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديا إضافيا أمام الوظائف التقليدية ويزيد أهمية المهارات التقنية والمتخصصة.
ولا يعني ذلك أن الانتقال إلى صناعة أكثر تقدما يمثل مشكلة للمغرب. على العكس، فهو ضروري لتعزيز تنافسية الاقتصاد والانتقال من التجميع إلى إنتاج قيمة مضافة أعلى.
لكن التحدي يكمن في بناء سوق عمل يتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الصناعة.
هذا التشخيص يجد صداه في تقرير للبنك الدولي صدر في أبريل 2026.
فالمؤسسة الدولية تعتبر أن الاقتصاد المغربي حقق تقدما حقيقيا، لكنها تشير إلى أن النمو لم يتحول بعد إلى وظائف بالعدد الكافي، خصوصا بالنسبة إلى الشباب والنساء.
وبين عامي 2000 و2024، نما عدد السكان في سن العمل بوتيرة تقارب ضعفين ونصف وتيرة نمو التشغيل.
ويضع البنك الدولي المسألة في إطار أوسع من القطاع الصناعي وحده.
فالمشكلة ترتبط أيضا بقدرة الشركات على النمو، ومستوى المنافسة، ودينامية الاستثمار الخاص، وفعالية الاستثمار العمومي، ومدى إدماج النساء والشباب في الاقتصاد الرسمي.
ويقدر البنك أن حزمة من الإصلاحات الهيكلية يمكن أن تتيح للمغرب خلق 1.7 مليون وظيفة إضافية بحلول 2035.
وتكشف أرقام 2025 بدورها أن الخدمات والبناء استوعبا عددا أكبر من الوظائف الجديدة مقارنة بالصناعة.
وهذه نتيجة منطقية جزئيا، لأن قطاعات صناعية حديثة مثل السيارات والطيران والإلكترونيات تحتاج إلى استثمارات كبيرة وتقنيات ومهارات متخصصة، بينما تستطيع بعض أنشطة الخدمات والبناء استيعاب أعداد أكبر من العمال بسرعة أكبر.
لكن ذلك يطرح على السياسة الصناعية سؤال المرحلة المقبلة: هل يكفي قياس النجاح بعدد المصانع وقيمة الاستثمارات والصادرات، أم ينبغي إضافة قدرة كل استثمار على خلق الوظائف وتطوير المهارات ورفع الأجور إلى معايير تقييم أثره الاقتصادي والاجتماعي؟
المعادلة ليست بين الصناعة والتشغيل، ولا بين التكنولوجيا والعمال.
الرهان بالنسبة للمغرب هو بناء حلقة تربط الاستثمار بالتكوين، والتكوين بحاجات المقاولات، والصناعة بمحيطها المحلي، والمصانع الجديدة بشبكات من المقاولات الصغيرة والمتوسطة القادرة بدورها على خلق الوظائف.
كما أن رفع القيمة المضافة الصناعية يمكن أن يصبح أكثر تأثيرا على سوق الشغل عندما تمتد سلاسل الإنتاج المحلية إلى موردين ومقاولات وخدمات هندسية ولوجستية وتكنولوجية مغربية، بدلا من قياس أثر المصنع بعدد العاملين داخله فقط.
وتمنح أرقام الفصل الثاني من 2026 إشارة إيجابية مع انخفاض البطالة بالمفهوم الضيق إلى 9.5 في المائة وارتفاع التشغيل، لكنها لا تلغي المشكلة الهيكلية التي تظهر بوضوح لدى الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
كما أن المندوبية نفسها تؤكد أن نتائج البحث الجديد لا يجوز مقارنتها مباشرة بأرقام البحث السابق، وأن المقارنة السليمة ينبغي أن تتم باستخدام السلاسل التاريخية المعاد احتسابها وفق المفاهيم الجديدة.
لذلك، فإن السؤال الذي سيواجه الصناعة المغربية خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: كم نستثمر وكم نصدر؟ بل أيضا: كم وظيفة جيدة ينتج هذا التحول، وما المهارات التي يحتاج إليها، وكيف يمكن توسيع دائرة المستفيدين منه؟
لقد قطع المغرب مسافة مهمة في بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة الدولية. أما المرحلة التالية، فستتحدد بقدرته على جعل هذه القوة الصناعية أكثر انتشارا داخل الاقتصاد وأكثر قدرة على تحويل النمو والإنتاج والصادرات إلى وظائف ودخل وفرص اجتماعية أوسع.


