وضعت النقابة الوطنية للصحافة المغربية جملة من الشروط والمطالب التي تعتبرها ضرورية لضمان نزاهة انتخابات المجلس الوطني للصحافة، مؤكدة أن الاستحقاق المقبل لا يتعلق فقط باختيار ممثلين للصحافيين، وإنما بمستقبل التنظيم الذاتي للمهنة واستقلاليته.
وجاء هذا الموقف في بيان صادر عن المجلس الوطني الفدرالي للنقابة، عقب اجتماعه بالدار البيضاء، السبت 22 غشت 2026، والذي خصص جزءا أساسيا من أشغاله لمناقشة التحضير لانتخابات المجلس الوطني للصحافة، في سياق يتسم باستمرار الخلاف بين عدد من التنظيمات المهنية واللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس حول تدبير المرحلة الانتخابية.
وسجل المجلس الوطني الفدرالي أن الانتخابات المقبلة تشكل محطة حاسمة بالنسبة إلى الجسم الصحافي، معتبرا أن مصداقيتها تظل مرتبطة بتوفير شروط واضحة تضمن تكافؤ الفرص وشفافية مختلف مراحل العملية الانتخابية، وتحصن التنظيم الذاتي للمهنة من أي تدخل أو تحكم.ويأتي موقف النقابة في سياق توتر مهني سبق أن عبرت عنه خمس هيئات نقابية ومهنية، من بينها النقابة الوطنية للصحافة المغربية، إذ طالبت في 12 غشت بعقد لقاء عاجل مع رئيس اللجنة المؤقتة بشأن سير التحضير للانتخابات، بعدما كانت قد أعلنت رفضها لما وصفته بـ”التسرع” في الإعداد للاستحقاق.
وفي هذا السياق، شدد المجلس الفدرالي على أن المشاركة في الانتخابات لا يمكن فصلها عن ضمان شروط النزاهة والشفافية، مؤكدا أن العملية الانتخابية يجب أن تتيح للصحافيين اختيار ممثليهم بصورة مستقلة وديمقراطية، بعيدا عن أي ترتيبات من شأنها التأثير في إرادة الجسم المهني.
ووضع البيان في صلب مطالبه ضرورة استقلال إدارة العملية الانتخابية، والتأكد من استيفاء شروط الترشح والتأهيل، وضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين والمرشحات، وتمكينهم من مراقبة مختلف مراحل العملية الانتخابية، إلى جانب تحديد وتوضيح الإجراءات والمساطر الأساسية المرتبطة بها.
ولم يحصر المجلس الفدرالي النقاش في الجانب التقني للانتخابات، بل ربطه بسؤال أوسع يتعلق باستقلالية المجلس الوطني للصحافة وديمقراطية مؤسساته وآليات اشتغاله، واستقلال القرار المهني عن مختلف أشكال التدخل والتحكم، فضلا عن ضمان انتخابات نزيهة وشفافة وتكافؤ حقيقي للفرص.
ويكشف هذا الربط أن النقابة تنظر إلى انتخابات المجلس باعتبارها اختبارا لمستقبل النموذج الجديد للتنظيم الذاتي أكثر منها مجرد محطة انتخابية عادية، خصوصا أن الجدل حول المجلس امتد طوال الأشهر الماضية إلى القانون المؤطر له، وتركيبته وطريقة تدبير المرحلة الانتقالية.
وفي خطوة تحمل دلالة تنظيمية، دعا المجلس الوطني الفدرالي المكتب التنفيذي للنقابة إلى فتح مشاورات نقابية مسؤولة، كما دعا جميع الصحافيات والصحافيين إلى الانخراط في هذه المرحلة ومتابعة القرارات المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وأكد المجلس، في المقابل، أن قرار المشاركة في الانتخابات يجب ألا يتحول إلى تفويض مفتوح، بل ينبغي أن يبقى مرتبطا بمدى احترام الضمانات المهنية والقانونية الضرورية، معتبرا أن أي مشاركة ينبغي أن تخدم استقلالية التنظيم الذاتي لا أن تتحول إلى غطاء لمسار تثار حوله تحفظات داخل الجسم المهني.
كما منح البيان أهمية خاصة لمبدأ “القرار الجماعي”، داعيا إلى توحيد الموقف المهني وتجنب المبادرات المنفردة التي يمكن أن تضعف قدرة الصحافيين وتنظيماتهم على التأثير في مسار الانتخابات.
ويكتسي هذا التوجه أهمية بالنظر إلى أن الخلاف حول المجلس لم يعد محصورا داخل تنظيم واحد.
فقد سبق لهيئات نقابية ومهنية أن أعلنت بشكل مشترك رفضها لترتيبات قالت إنها قد تكرس التحكم في التنظيم الذاتي، فيما طالبت في مناسبات متتالية بفتح حوار مؤسساتي ومهني حول العملية الانتخابية قبل المرور إلى مراحلها اللاحقة.
وبذلك، يبدو أن اجتماع المجلس الوطني الفدرالي نقل موقف النقابة من الاعتراض على بعض جوانب التحضير للانتخابات إلى محاولة تحديد شروط عملية للمشاركة فيها، تجمع بين استقلالية إدارة الاستحقاق، وضمان تكافؤ الفرص، ومراقبة العملية الانتخابية، وتوضيح مساطرها، والحفاظ على استقلال القرار المهني.
وتختزل هذه المطالب جوهر المعركة التي تنتظر الجسم الصحافي خلال المرحلة المقبلة: هل ستكون انتخابات المجلس الوطني للصحافة مجرد استحقاق لإنتاج مؤسسة جديدة، أم فرصة لإعادة بناء الثقة في التنظيم الذاتي للمهنة؟
بالنسبة إلى المجلس الوطني الفدرالي للنقابة، يبدو الجواب واضحا: الانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لإنتاج مؤسسة مهنية مستقلة وديمقراطية وذات مصداقية، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة اختبارا ليس فقط للمرشحين والناخبين، بل أيضا لقدرة مختلف الفاعلين على توفير الضمانات التي تجعل المجلس المقبل ممثلا فعليا للصحافيين وقادرا على ممارسة التنظيم الذاتي باستقلالية.


