لم يعد السباق في الذكاء الاصطناعي يدور فقط حول النموذج الذي يقدم الإجابة الأفضل. مع إطلاق OpenAI نموذج GPT-6 Astra، تدخل المنافسة مرحلة مختلفة: نموذج لا يكتفي بالكتابة والتحليل، بل يستطيع استخدام الحاسوب وإنجاز سلسلة من المهام المهنية عبر التطبيقات.
بدأ إطلاق Astra في 3 شتنبر بشكل تدريجي، مع إتاحته لمؤسسات محددة قبل توسيع الوصول إلى مستخدمي ChatGPT وخدمات المطورين. وتقدمه OpenAI باعتباره أقوى نماذجها حتى الآن في استخدام الحاسوب والتصفح والبرمجة والعمل المهني والأمن السيبراني.
التحول الأهم يوجد في قدرته على التعامل مع بيئة العمل الرقمية نفسها. يستطيع النموذج ملء النماذج، وتحديث بيانات العملاء، وإجراء البحث عبر الإنترنت، والتعامل مع الوثائق والجداول والعروض، والمساعدة في تثبيت البرامج واختبارها، وتنفيذ مهام متعددة الخطوات كانت تحتاج إلى انتقال المستخدم بين عدة تطبيقات.
وتظهر اختبارات OpenAI اتساع هذه القفزة. ففي اختبار OSWorld 2.0 لاستخدام الحاسوب، سجل Astra نسبة 72.6 في المائة مقابل 65.7 في المائة لـGPT-5.6 Sol، مع إنجاز المهام في وقت أقل بنحو 47 في المائة في المحاكاة التي أجرتها الشركة.
هذه الأرقام مهمة، لكن دلالتها أكبر من مجرد التفوق في اختبار تقني. فالذكاء الاصطناعي ينتقل تدريجيا من مرحلة “أعطني جوابا” إلى مرحلة “أنجز هذه المهمة”.
وإذا ترسخ هذا الاتجاه، فإن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين روبوتات المحادثة، بل بين وكلاء رقميين قادرين على البحث واتخاذ سلسلة من الخطوات واستخدام البرامج وتسليم نتيجة شبه مكتملة للإنسان.
ويظهر الوجه الآخر لهذه القوة في الأمن السيبراني. Astra هو أول نموذج تصنفه OpenAI عند مستوى “Critical” في القدرات السيبرانية وفق إطار الجاهزية الخاص بها. وخلال الاختبارات، تمكن من اكتشاف ثغرتين من نوع “يوم الصفر” لم تكونا معروفتين سابقا، واستخدامهما ضمن سلسلة استغلال تجريبية.
هذا المستوى دفع الشركة إلى تشديد الحماية وتقييد الوصول إلى بعض القدرات السيبرانية المتقدمة. فالنموذج القادر على اكتشاف ثغرة وإيجاد طريقة لاستغلالها يمكن أن يصبح أداة دفاع قوية للباحثين الأمنيين، لكنه يرفع في الوقت نفسه حجم المخاطر إذا استخدمت قدراته خارج الضوابط الموضوعة لها.
ويمتد تأثير Astra المحتمل إلى سوق العمل. فالمهام التي يستهدفها ليست وظائف تقنية فقط، بل أعمال يومية في المحاسبة والتسويق والبحث وخدمة الزبناء وتحليل البيانات وإدارة الملفات وإنتاج الوثائق والعروض.
وبالنسبة إلى المغرب، قد يكون هذا هو الجزء الأكثر أهمية في التطور الجديد. السؤال لم يعد فقط عن عدد المؤسسات التي ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل عن قدرتها على إعادة تنظيم العمل حول أدوات تستطيع إنجاز أجزاء متزايدة من المهمة نفسها.
وهذا يضع المهارات بدورها أمام تحول جديد. فكلما أصبح النموذج أكثر قدرة على تنفيذ الأوامر، ارتفعت قيمة الإنسان القادر على تحديد المهمة الصحيحة، والتحقق من النتيجة، وفهم السياق، واتخاذ القرار الذي لا ينبغي تفويضه بالكامل إلى الآلة.
GPT-6 Astra لا يعني أن الحاسوب أصبح يعمل بمفرده، لكنه يكشف بوضوح الاتجاه الذي تتحرك نحوه الصناعة: من ذكاء اصطناعي نتحدث معه، إلى ذكاء اصطناعي نكلفه بالعمل.


