الحركة الشعبية في انتخابات 2026.. هل يكفي رصيد «المغرب العميق»؟


بعد الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، تصل سلسلة «عين على 23 شتنبر» إلى الحركة الشعبية، خامس قوة برلمانية في انتخابات 2021 ب29 مقعدا.


يدخل حزب السنبلة الاستحقاق من موقع المعارضة، ومن موقع حزب يعرف أن معركته لا تشبه معركة الأحرار أو البام أو الاستقلال. لا يراهن على تصدر النتائج، بل على الحفاظ على موقعه، وعلى استثمار حضوره الترابي لانتزاع مقاعد إضافية في دوائر لا تحسمها الضجة الوطنية وحدها.


فالحركة الشعبية تملك تاريخا طويلا، وشبكات محلية في أقاليم وقرى لا تحضر دائما في النقاش السياسي المركزي. لكن انتخابات 2026 ستختبر سؤالا أصعب: هل ما زال ذلك الرصيد التاريخي يتحول إلى أصوات، أم أن المنافسة الجديدة حولت جزءا من تلك الدوائر إلى ساحات مفتوحة أمام أحزاب الأغلبية ومرشحيها؟


29 مقعدا.. رصيد مستقر لا موجة انتخابية


حصلت الحركة الشعبية في انتخابات 2021 على 29 مقعدا، بزيادة مقعد واحد عن حصيلتها السابقة. ثبتت النتيجة الحزب في المركز الخامس، لكنها لم تمنحه زخما وطنيا كبيرا أو قفزة تسمح له بمنافسة الأحزاب الأربعة التي تقدمت عليه.


لهذا لا يبدأ الحزب حملة 2026 من منطق الدفاع عن موجة سياسية، بل من منطق حماية مواقع قائمة. جزء مهم من مقاعده جاء من دوائر يعرفها الحزب ومرشحوه جيدا، ومن حضور محلي لا يصنعه خطاب انتخابي في بضعة أسابيع.


في هذه الدوائر، لا ينظر الناخب إلى الحزب بوصفه اسما على ورقة التصويت فقط. ينظر إلى المرشح الذي يعرفه، وإلى ما أنجزه في الجماعة أو الإقليم، وإلى قدرته على الوصول إلى الإدارة والدفاع عن الملفات اليومية. لذلك يكون الرهان على التنظيم المحلي أكثر حسما من الرهان على الصورة الوطنية للحزب.


لكن هذا الامتداد لا يمنح الحركة مقاعد مضمونة. فالمشهد تغير منذ 2021، وأحزاب الأغلبية دخلت بدورها إلى عدد من المناطق بشبكات محلية ووجوه منتخبة وموارد تنظيمية واسعة. كما أن الناخب القروي لم يعد يصوت بالولاء القديم وحده؛ فهو يسأل عن الماء والطريق والنقل والمدرسة والصحة وفرص الشغل، ويقارن بين ما يقال في الحملة وما يراه في حياته اليومية.


أوزين وخطاب المعارضة القريبة


يحاول محمد أوزين أن يقدم الحركة الشعبية باعتبارها معارضة تتكلم لغة الناس، لا معارضة تكتفي بمراقبة الحكومة من البرلمان. في خطاباته، يركز على الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وتفاوت الخدمات بين المدن والقرى، وعلى شعور فئات واسعة بأن السياسات العمومية لا تصل إليها بالقدر نفسه.


هذه اللغة تخدم الحزب لسببين. أولا، لأنها تسمح له باستعادة جزء من قاموسه التاريخي القائم على القرب من المناطق المهمشة والناخبين الذين لا يجدون أنفسهم في خطاب النخب الحضرية. وثانيا، لأنها تمنحه مساحة للتمايز عن أحزاب الأغلبية من دون أن يدخل في مواجهة شخصية أو صراع سياسي لا يملك أدواته.


تحت عنوان «التعاقد الحركي»، وضع الحزب عرضا انتخابيا يجمع بين ضبط الأسعار والأمن الغذائي والمدرسة والشباب وإنصاف النساء وإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة. وهي عناوين تتقاطع مع ما تطرحه أغلب الأحزاب، لكن الحركة تحاول تقديمها من زاوية أقرب إلى الخدمات التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.


يبقى التحدي في الانتقال من العنوان إلى الإقناع. فالناخب الذي أنهكته الأسعار لا يكتفي بوعد مراقبة السوق، والشاب في بلدة صغيرة لا يقتنع بالحديث عن الفرص ما لم يعرف أين سيجد التكوين أو العمل. هنا ستقاس قدرة الحزب على تحويل خطاب المعارضة إلى تعهدات قابلة للفهم، وعلى ربط البرنامج بوجوه قادرة على الدفاع عنه في الميدان.


انتشار ترابي لا يضمن النتيجة


يصعب على كثير من الأحزاب منافسة الحركة الشعبية في طول النفس الترابي. للحزب تنظيمات محلية وتجربة ممتدة في أقاليم جبلية وقروية ومناطق داخلية، كما يحتفظ بذاكرة سياسية تتجاوز عمر كثير من الأحزاب المنافسة.


هذا المعطى يمنحه أفضلية في الدوائر التي تحتاج إلى معرفة دقيقة بموازين الجماعات والقرى والأسر والفاعلين المحليين. ففي الانتخابات المحلية، لا يكفي أن يكون للحزب خطاب مقنع على المستوى الوطني؛ ينبغي أن يعرف من يستطيع تعبئة الناخبين، ومن يملك الحضور في الأسواق والقرى والدواوير، ومن يحافظ على التواصل مع الناس بعد انتهاء الحملة.


غير أن الحزب يواجه هنا مفارقة واضحة. فالمناطق التي تمثل مصدر قوته التاريخية أصبحت بدورها محط تنافس كبير. الأحرار والبام والاستقلال لم يعودوا يتركون الدوائر القروية للحركة، بل يدفعون فيها بمنتخبين ورؤساء جماعات وأعيان محليين يعرفون قواعد اللعبة نفسها.


لهذا لا ينبغي قياس حظوظ الحركة الشعبية بعدد المقاعد التي تطمح إليها فقط، بل بعدد الدوائر التي تستطيع فيها البقاء في صلب المنافسة حتى يوم الاقتراع. فارق محدود في الأصوات يمكن أن يحسم مقعدا، خصوصا في الدوائر التي تتوزع فيها الكتل الانتخابية بين أكثر من حزب قوي.


ميركاتو التزكيات.. كلفة المغادرين ورهان الوافدين


لم تمر مرحلة التزكيات من دون ارتدادات داخل الحزب. في سلا، غادر إدريس السنتيسي الحركة الشعبية نحو حزب الاستقلال. والسنتيسي ليس اسما عاديا في دائرة سلا المدينة؛ فهو يمثل شبكة برلمانية ومحلية راكمها على مدى سنوات، وسيكون من الصعب معرفة أثر مغادرته قبل اختبار الصناديق.


وفي إيموزار كندر، اختار مصطفى لخصم خوض الانتخابات باسم الحركة الديمقراطية الاجتماعية، بعد أن انتهى الخلاف حول التزكية إلى افتراق انتخابي. هنا لا يتعلق الأمر فقط بمرشح غادر حزبه، بل برئيس جماعة يملك حضورا مباشرا في محيطه ويعرف تفاصيل المنافسة المحلية.


أما المغادرة الأثقل رمزيا، فجاءت من ورزازات. السعيد أمسكان، الذي قضى نحو خمسين سنة داخل الحركة الشعبية، وضع حدا لمسار سياسي بدأ سنة 1977. شغل مسؤوليات حكومية وبرلمانية وحزبية، ومثل الإقليم في ست ولايات تشريعية، قبل أن يغادر على خلفية الخلاف حول تدبير التزكية.


تختلف هذه الحالات في حجمها وفي أثرها المتوقع، لكنها تكشف هشاشة مألوفة في الانتخابات المغربية: قوة الحزب في بعض الدوائر ترتبط أحيانا بقوة الأشخاص الذين يحملون لونه. وعندما يغادر اسم كبير، لا يكون الرهان على المقعد وحده، بل على جزء من المنتخبين والناشطين والعلاقات المحلية التي كانت تدور حوله.


في المقابل، لم تكتف الحركة الشعبية بإدارة الخسارات. ففي فاس الشمالية، اختارت ريم شباط، النائبة السابقة باسم جبهة القوى الديمقراطية، لخوض دائرة حضرية معقدة لا تمنح أصواتها بسهولة. وفي سيدي بنور، استقطبت عبد الفتاح عمار، النائب البرلماني الذي خاض الولاية المنتهية بألوان الأصالة والمعاصرة.


كما منحت التزكية في العرائش لعبد العزيز الوادكي، القادم من الاتحاد الدستوري. لا يتعلق الأمر بتعويض مباشر للمغادرين، بل بمحاولة لتوسيع مجال المنافسة. وإذا نجح الحزب في انتزاع مقعد في واحدة من هذه الدوائر، فسيعني ذلك أن استقطاب الوجوه الجديدة لم يكن مجرد معالجة لخلافات التزكيات، بل مدخلا إلى خريطة انتخابية أوسع.


معارك محلية وسيناريوهات مفتوحة


في سلا المدينة، تواجه الحركة الشعبية امتحان ما بعد السنتيسي. لا يكفي وضع اسم جديد في اللائحة لاستعادة حضوره؛ المطلوب هو الحفاظ على التنظيم الذي كان يشتغل حوله ومنع انتقال جزء منه إلى المنافس الجديد. وهي مهمة صعبة في دائرة تتقاطع فيها حسابات الاستقلال والأحرار والبام.


وفي ورزازات، سيكون أثر مغادرة أمسكان موضع متابعة خاصة. لا يمكن الجزم بأن أصواتا ستغادر معه، لكن الحزب يدخل معقلا من معاقله التاريخية من دون رجل يعرف تفاصيله الانتخابية منذ عقود. أي تراجع هناك لن يقرأ بوصفه خسارة عددية فقط، بل باعتباره مؤشرا على اهتزاز علاقة الحزب بإحدى مناطق ذاكرته السياسية.


أما في إيموزار كندر، فالمنافسة ستدور حول الحضور المحلي أكثر من الخطاب العام. الحزب يريد حماية موقعه، ولخصم يراهن على رصيده كرئيس جماعة. في هذا النوع من الدوائر، يكون الفارق بين الفوز والخسارة في قدرة كل طرف على تحويل العمل المحلي والعلاقات اليومية إلى أصوات يوم الاقتراع.


في المقابل، تفتح فاس الشمالية وسيدي بنور والعرائش

احتمالات مختلفة. ليست دوائر سهلة، لكنها تمنح الحركة فرصة لتوسيع حضورها خارج مناطقها المعتادة. نجاح واحد فيها قد يغير طريقة قراءة نتيجتها الوطنية، لأنه يثبت أن الحزب لا يكتفي بالدفاع عن ما لديه، بل يستطيع اختراق ساحات جديدة.


أمام الحركة الشعبية ثلاثة سيناريوهات. الأول، الحفاظ على حصيلتها مع تعويض بعض الخسائر بمقعد أو مقعدين جديدين؛ وهو سيناريو يمنح الحزب استمرارية مريحة داخل المعارضة.

الثاني، تراجع في بعض معاقله من دون أن تتحول الاستقطابات الجديدة إلى مكاسب انتخابية. أما الثالث، والأكثر طموحا، فيمر عبر الحفاظ على القواعد القديمة والاستفادة من تراجع أحزاب الأغلبية في بعض الدوائر، ثم الفوز بمقاعد لم تكن الحركة تنافس فيها بجدية قبل أشهر.


لا تحتاج الحركة الشعبية إلى موجة وطنية كي تحسن موقعها.

تحتاج إلى حملة ميدانية منضبطة، ومرشحين يملكون صلة حقيقية بدوائرهم، وقدرة على تحويل تاريخ الحزب إلى ثقة متجددة.

فانتخابات 23 شتنبر ستبين إن كان رصيد «المغرب العميق» ما زال كافيا لصناعة المقاعد، أم أنه يحتاج إلى تجديد أوسع في الأشخاص والخطاب والدوائر.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img