الصحافة العلمية تواجه أزمة جديدة بعد أربعة عقود من «الانهيار»

تواجه الصحافة العلمية موجة جديدة من التراجع داخل المؤسسات الإعلامية الأميركية، مع تقلص عدد المجلات المتخصصة وتسريح صحافيين في عدد من المؤسسات الكبرى، في أزمة تعيد إلى الواجهة مخاوف مشابهة ظهرت قبل نحو أربعة عقود بشأن مستقبل هذا النوع من الصحافة.

ووفق تحليل نشره مختبر نيومان للصحافة، أعده الباحثان بروس لوينشتاين وكريس موني، فإن الأزمة الحالية تحمل أوجه شبه مع ما شهدته الصحافة العلمية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما توقفت مجلتان علميتان جماهيريتان عن الصدور سنة 1986، بعد سنوات قليلة من الحديث عن طفرة في هذا المجال.

وتشير البيانات التي جمعها الباحثان عن 29 مجلة أميركية بارزة موجهة إلى الجمهور، يعود تاريخ بعضها إلى القرن التاسع عشر، إلى أن 11 مجلة فقط ما تزال مستمرة، فيما أغلقت ثماني مجلات منذ عام 2000.

وشملت التحولات علامات إعلامية عريقة، من بينها Popular Science، التي تجاوز توزيعها مليون نسخة شهريا في 2011، قبل أن تقلص وتيرة صدورها تدريجيا وتتوقف نسختها المطبوعة لاحقا، إلى جانب National Geographic التي شهدت بدورها عمليات تسريح وتغييرات في نموذج توزيع المجلة.

وامتدت الضغوط خلال السنوات الأخيرة إلى غرف الأخبار، حيث طالت عمليات تقليص وتسريح صحافيين متخصصين في العلوم والبيئة داخل مؤسسات إعلامية أميركية كبرى، في وقت تواجه فيه الصحافة عموما أزمة متواصلة في نموذجها الاقتصادي.

وبحسب التقرير، فقد قطاع الصحف الأميركية نحو 80 في المئة من وظائفه بين عامي 2000 و2025، بينما خسر قطاع نشر الدوريات نحو 65 في المئة من وظائفه، بالتزامن مع انتقال سوق الإعلانات نحو المنصات الرقمية وتغير عادات استهلاك الأخبار.

لكن تراجع المؤسسات التقليدية لا يعني انخفاض الاهتمام بالمعلومات العلمية. فعلى العكس، أصبح الوصول إلى المحتوى العلمي أوسع عبر المواقع والمنصات الاجتماعية ويوتيوب والنشرات البريدية، فيما تتيح منصات مثل Substack للصحافيين والمتخصصين إمكانية بناء جمهور مباشر ومستعد للدفع مقابل المحتوى.

ويحذر التحليل، مع ذلك، من الخلط بين انتشار التواصل العلمي واستمرار الصحافة العلمية، إذ تقوم الأخيرة على التحقق والتحقيق والمساءلة والعمل التحريري المستقل، بينما ينتج جزء متزايد من المحتوى العلمي الرقمي بواسطة مؤسسات وشركات وأفراد قد تكون لديهم أهداف ترويجية أو اتصالية.

ويخلص الباحثان إلى أن السؤال لم يعد مرتبطا فقط بقدرة الجمهور على الوصول إلى المعلومات العلمية، بل بمستقبل المؤسسات القادرة على تمويل صحافة علمية مستقلة ومهنية، معتبرين أن بقاء هذا النوع من الصحافة سيتطلب ابتكار نماذج جديدة تتكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها قطاع الإعلام.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img