التقدم والاشتراكية في انتخابات 2026.. بين حماية 22 مقعدا ورهان الخمسين

في إطار ملف «عين على 23 شتنبر»، وبعد قراءة مواقع التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، تصل «المحيط» إلى حزب التقدم والاشتراكية، صاحب المركز السادس في انتخابات 2021 بحصوله على 22 مقعدا.

يدخل حزب «الكتاب» هذه الانتخابات من موقع مختلف عن الأحزاب التي سبقته في الترتيب. فهو لا يدافع عن حصيلة حكومية، ولا يستند إلى شبكة واسعة من الأعيان، بل يراهن على خمس سنوات من المعارضة البرلمانية، وعلى وضوح هويته اليسارية، وعلى تحويل انتقاداته للحكومة إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.

وقد رفع الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله، سقف الطموح إلى 50 مقعدا على الأقل. غير أن الطريق من 22 إلى 50 لا يمر عبر الخطاب الوطني وحده، بل عبر عشرات المعارك المحلية التي تحسمها قوة المرشح وشبكته وقدرته على التعبئة.

من 12 إلى 22.. مكسب يحتاج إلى تثبيت

شكلت انتخابات 2021 تقدما مهما للتقدم والاشتراكية. فقد انتقل من 12 مقعدا سنة 2016 إلى 22 مقعدا، مضيفا عشرة مقاعد إلى تمثيليته البرلمانية ومتقدما إلى المركز السادس وطنيا.

كما حصل الحزب على 1532 مقعدا في الانتخابات الجماعية، ما وفر له قاعدة من المنتخبين المحليين في عدد من الأقاليم، وإن ظلت أقل اتساعا من شبكات الأحزاب الخمسة التي سبقته في الترتيب.

لكن الرقم الإجمالي لا يعني أن الحزب فاز في 22 دائرة محلية. فقد جاءت عشرة مقاعد عبر الدوائر المحلية، بينما حصل على بقية تمثيليته من اللوائح الجهوية. وهذا التوزيع يكشف أن خريطته الانتخابية المباشرة ظلت مركزة في عدد محدود من الدوائر، رغم تحسن نتيجته الوطنية.

كما أن الحزب لم ينه الولاية بكامل المقاعد التي فاز بها. ففي يناير 2024، جردت المحكمة الدستورية سعيد الزايدي من مقعده في بنسليمان، قبل أن يفوز الاستقلالي امبارك عفيري بالانتخابات الجزئية.

لذلك يخوض مرشح الحزب الحالي في بنسليمان، أحمد الداهي، معركة استرجاع مقعد مفقود، لا مجرد الدفاع عن إرث سنة 2021.

وتكشف هذه المعطيات أن حماية 22 مقعدا ليست مهمة سهلة. فالحزب مطالب بالحفاظ على دوائر انتزع بعضها بفوارق محدودة، وتعويض مقاعد خرجت من يده، ثم البحث عن اختراقات جديدة إذا أراد تحسين ترتيبه.

تغطية كاملة بخريطة متغيرة

أنهى التقدم والاشتراكية مرحلة الترشيحات بتقديم لوائح في جميع الدوائر المحلية البالغ عددها 92 دائرة، إلى جانب اللوائح الجهوية الاثنتي عشرة.

وبلغ مجموع مرشحيه 305 في الدوائر المحلية و90 مرشحة في الدوائر الجهوية، ليصبح واحدا من أربعة تنظيمات فقط غطت الخريطة الانتخابية المحلية كاملة.

تمثل هذه التغطية مؤشرا تنظيميا مهما بالنسبة إلى حزب يحتل المركز السادس. فهي تعني أنه استطاع توفير وكلاء ولوائح في جميع جهات المملكة، وأن حضوره لم يعد مقتصرا على المدن أو الدوائر المرتبطة تاريخيا باليسار.

غير أن تغطية 92 دائرة لا تعني امتلاك 92 فرصة متساوية للفوز. ففي بعض المناطق يقدم الحزب أسماء قادرة على المنافسة، بينما يؤدي وجوده في دوائر أخرى وظيفة سياسية وتنظيمية أكثر من كونه ترشيحا مرجحا لانتزاع مقعد.

وتكشف الخريطة درجة معتبرة من التغيير. فمن بين عشرة وكلاء فازوا للحزب محليا سنة 2021، يعود خمسة فقط للدفاع عن المقاعد في الدوائر نفسها، وهم رشيد حموني في بولمان، وعبد الله الإدريسي البوزيدي في تاونات-تيسة، وأحمد العبادي في تازة، ومحمد عواد في سلا المدينة، وحسن أومريبط في أكادير إداوتنان.

في المقابل، غير الحزب وكلاءه في تنغير والصويرة وبنسليمان ومولاي رشيد والجديدة، حيث انتقلت الوكالة من يوسف بيزيد إلى أيمن بيزيد. كما دفع بالنائبة الجهوية خديجة أروهال إلى المنافسة المحلية في تزنيت.

ولم يعتمد الحزب على «ميركاتو» واسع للمرشحين. وبحسب بنعبد الله، لا يتجاوز عدد الوافدين من أحزاب أخرى أربعة أو خمسة أسماء.

ويبرز ضمن هؤلاء عبد الهادي خيرات، القيادي الاتحادي السابق الذي يقود لائحة الحزب في سطات، وحسن الدرهم، الوجه الصحراوي والبرلماني الاتحادي السابق، الذي يخوض المنافسة في العيون.

يحافظ هذا الاختيار على صورة الحزب باعتباره تنظيما يعتمد أساسا على أطره ومناضليه، لكنه يحرمه، في المقابل، من الأثر السريع الذي توفره انتقالات المنتخبين ذوي الشبكات المحلية الجاهزة.

أما حضور النساء في صدارة اللوائح المحلية، فلم يتجاوز، وفق ما أعلنه الحزب، نحو تسع وكيلات من أصل 92 دائرة. وهو رقم يظل محدودا بالنسبة إلى تنظيم يجعل المساواة والمناصفة جزءا من هويته السياسية.

فالاختبار الحقيقي لا يوجد في اللوائح الجهوية المخصصة للنساء قانونا فقط، بل في استعداد الحزب لمنحهن قيادة المعارك المحلية المباشرة والدوائر القابلة للفوز.

المعارضة والبرنامج أمام اختبار الأصوات

اختار محمد نبيل بنعبد الله عدم الترشح، معلنا تفرغه لقيادة الحملة ودعم وكلاء الحزب في مختلف الجهات.

ويمنحه هذا القرار حرية أكبر للتنقل بين الدوائر، لكنه يجعل النتيجة الوطنية للحزب مرتبطة مباشرة بقدرته على تحويل حضوره الإعلامي وخطابه المعارض إلى تعبئة انتخابية.

وقد بنى التقدم والاشتراكية خلال الولاية المنتهية خطابا معارضا ركز على غلاء الأسعار والبطالة والمحروقات وأوضاع الصحة والتعليم والفوارق المجالية وتضارب المصالح.

وتولى رشيد حموني، بصفته رئيسا للفريق النيابي، جانبا من المواجهة البرلمانية، بينما ظل بنعبد الله الواجهة السياسية والإعلامية الأكثر حضورا.

ومع انطلاق الحملة، انتقل الحزب من نقد الحكومة إلى الدعوة إلى «تصويت عقابي» ضد أغلبيتها، قبل مطالبة الناخبين بتحويل هذا العقاب إلى اختيار إيجابي لمصلحة «الكتاب».

لكن المعارضة ليست رصيدا انتخابيا ينتقل آليا إلى صناديق الاقتراع. فالحزب ينافس على الأصوات الرافضة للحكومة إلى جانب العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي وتحالف اليسار وتشكيلات أخرى.

وسيكون عليه إقناع الناخب بأن معارضته لم تكن مجرد خطابات داخل البرلمان، بل مدخلا إلى بديل قابل للتنفيذ.

ويقدم الحزب هذا البديل تحت شعار «نزعمو كاملين»، ومن خلال برنامج للحكومة للفترة 2027-2031 يقوم على أربعة محاور و24 التزاما.

ومن أبرز وعوده خلق مليون منصب شغل، وخفض البطالة إلى أقل من 10 في المائة، وتقليص عدد الشباب الموجودين خارج الدراسة والتكوين والشغل إلى النصف، ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 15 في المائة.

كما يقترح رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام، وخلق 500 ألف منصب صناعي ضمن هدف المليون وظيفة، وتكوين 100 ألف شابة وشاب في المهن الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتوجيه نصف الاستثمار العمومي إلى الجهات الأقل استفادة.

يوفر هذا البرنامج للحزب لغة يسارية واضحة تجمع بين دور الدولة والتصنيع والعدالة الاجتماعية والدفاع عن المدرسة والمستشفى العموميين.

غير أن قوة الأهداف المرقمة ستضعه أمام سؤال التمويل والجدولة والقدرة على التنفيذ، خصوصا إذا وجد نفسه بعد الانتخابات جزءا من تحالف حكومي لا يتقاسم معه توجهاته كاملة.

بولمان وأكادير.. مقاعد تحت الضغط

تمثل بولمان واحدة من أكثر دوائر الحزب حساسية. فقد فاز رشيد حموني بالمقعد الثالث سنة 2021 بعد حصوله على 8874 صوتا، متقدما على الاستقلال الذي حصل على 8098 صوتا وبقي خارج دائرة الفائزين.

وفي 2026، يدافع رئيس الفريق النيابي عن مقعده في مواجهة أسماء ذات وزن محلي، يتقدمها امحند العنصر عن الحركة الشعبية ومحمد شوكي عن التجمع الوطني للأحرار.

ولا تتعلق المعركة بمقعد واحد فقط؛ فخسارة رئيس الفريق ستنتج كلفة سياسية وإعلامية أكبر من قيمتها العددية.

ولا تقل أكادير إداوتنان صعوبة. فقد انتزع حسن أومريبط المقعد الرابع سنة 2021 بحصوله على 7103 أصوات، متقدما بفارق 12 صوتا فقط على الاتحاد الاشتراكي الذي جمع 7091 صوتا.

ويواجه أومريبط هذه المرة 19 لائحة أخرى تتنافس على أربعة مقاعد، من بينها زينة إدحلي عن الأحرار، وحميد وهبي عن الأصالة والمعاصرة، وجمال الديواني عن الاستقلال، ومحمد باكيري عن العدالة والتنمية، ورجاء مسو عن الاتحاد الاشتراكي.

لذلك يبدو مقعد أكادير من أكثر مقاعد الحزب تعرضا للضغط، وقد تؤدي تحولات محدودة في المشاركة أو انتقال الأصوات بين المرشحين إلى تغيير النتيجة.

وفي سلا المدينة، يعود محمد عواد للدفاع عن مقعد انتزعه الحزب ثالثا سنة 2021 داخل دائرة من أربعة مقاعد. أما تازة وتاونات-تيسة، فيراهن الحزب فيهما على استمرارية أحمد العبادي وعبد الله الإدريسي البوزيدي.

وبموازاة الدفاع، يبحث الحزب عن دوائر تعوض أي خسارة محتملة. وتبرز سطات، ذات المقاعد الستة، باعتبارها فرصة لاستعادة المقعد الذي فقده الحزب سنة 2021، مستفيدا من ترشيح عبد الهادي خيرات.

كما يراهن في العيون على حسن الدرهم، لكن المنافسة على المقاعد الثلاثة تجري أمام أسماء وشبكات قوية تابعة للاستقلال والأحرار والأصالة والمعاصرة.

وتكشف هذه الأمثلة أن نجاح الحزب لن يقاس بعدد اللوائح التي قدمها، بل بعدد الدوائر التي يستطيع فيها الاقتراب من المقعد الأخير. فقد يكون الفارق بين حصيلة متراجعة ونتيجة متقدمة بضعة آلاف من الأصوات موزعة على بولمان وأكادير وسلا وسطات والعيون ودوائر أخرى.

بين حماية الـ22 ورهان الخمسين

يعني الوصول إلى 50 مقعدا أكثر من مضاعفة حصيلة 2021. ولا يكفي لتحقيقه الحفاظ على المقاعد الحالية، إذ يحتاج الحزب إلى عشرات الاختراقات المحلية وإلى نتيجة قوية في اللوائح الجهوية.

ويوفر له الغضب من الأسعار والبطالة وجودة الخدمات فرصة سياسية، كما تمنحه تغطية جميع الدوائر إمكانية الاستفادة من أي موجة وطنية محتملة.

لكنه يواجه، في المقابل، أحزابا ذات شبكات جماعية وموارد انتخابية ومرشحين محليين أكثر اتساعا.

إذا حافظ الحزب على نتيجة قريبة من 22 مقعدا، فسيكون قد ثبت مكسب 2021 في ظرف تنافسي أصعب. وإذا اقترب من 30 مقعدا، فسيكون قد حقق تقدما واضحا ومنح نفسه وزنا أكبر في مفاوضات تشكيل الأغلبية المقبلة.

أما تجاوز الثلاثين فسيشكل مفاجأة انتخابية تعيد ترتيب موقع اليسار داخل البرلمان، بينما يظل الوصول إلى 50 مقعدا رهانا يحتاج إلى موجة تصويت تتجاوز القاعدة التقليدية للحزب وتمنحه مقاعد في دوائر لم يكن فيها منافسا رئيسيا.

وفي الاتجاه المعاكس، فإن النزول دون عشرين مقعدا سيعني أن الحزب لم يتمكن من تحويل خمس سنوات من المعارضة إلى مكاسب، وأن محدودية شبكاته المحلية كانت أقوى من حضوره السياسي والإعلامي.

لا يخوض التقدم والاشتراكية، في النهاية، معركة الصدارة، بل معركة إثبات أن حزبا متوسط الحجم يستطيع الجمع بين الهوية السياسية الواضحة والانتشار الوطني والفعالية الانتخابية.

وبين حماية مقاعد بولمان وأكادير وسلا، ومحاولة الاختراق في سطات والعيون ومدن أخرى، ستتحدد المسافة الحقيقية بين رهان الخمسين والرصيد الذي تسمح به صناديق 23 شتنبر.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img