جبهة القوى الديمقراطية في انتخابات 2026.. هل تحافظ «الزيتونة» على مقاعدها بعد خسارة شبكة شباط؟


ضمن سلسلة «عين على 23 شتنبر»، تصل «المحيط» إلى جبهة القوى الديمقراطية، الحزب الذي أنهى انتخابات 2021 بثلاثة مقاعد، قبل تحالف اليسار الذي سيختتم هذه القراءة المتدرجة لخريطة الأحزاب وفق نتائج الاقتراع السابق.


لا تدخل الجبهة انتخابات 2026 بثقل عددي كبير، لكنها لا تبدأ من الصفر أيضا.

فهي حزب تأسس سنة 1997، وسبق أن امتلك حضورا برلمانيا أوسع، قبل أن يتراجع ويتمكن سنة 2021 من العودة بثلاثة نواب.


غير أن التحدي هذه المرة لا يقتصر على الحفاظ على العدد نفسه. فجزء أساسي من نتيجة 2021 ارتبط بفاس وبشبكة انتخابية غادرت الحزب، بينما تكشف خريطة ترشيحات 2026 أن الجبهة اختارت خوض معركة انتقائية في عدد محدود من الدوائر، مع برنامج اجتماعي واسع يفوق بكثير حجمها البرلماني الحالي.


ثلاثة مقاعد صنعتها خريطة مركزة


حصلت جبهة القوى الديمقراطية في انتخابات 2021 على مقعد محلي ومقعدين عبر اللوائح الجهوية.

ولم تتجاوز حصتها 0.93 في المائة من أصوات الدوائر المحلية و0.85 في المائة من أصوات الدوائر الجهوية، ما يعني أن مقاعدها الثلاثة لم تكن نتيجة موجة وطنية واسعة، بل ثمرة تركيز الأصوات في مجالات محددة والاستفادة من اللوائح الجهوية.


ظهر ذلك بوضوح في فاس الشمالية، حيث فاز رؤوف عبدلاوي معن بالمقعد المحلي بعدما حصلت لائحة الجبهة على 7776 صوتا، متقدمة على لوائح أحزاب ذات حضور وطني أقوى. كما فازت ريم شباط بمقعد عن اللائحة الجهوية لفاس مكناس.


وتعزز هذا الحضور خلال الانتخابات الجماعية، حين تحولت الجبهة إلى قوة داخل مجلس جماعة فاس. وبذلك ارتبط اثنان على الأقل من مقاعدها البرلمانية الثلاثة، إلى جانب جزء مهم من حضورها المحلي، بالخريطة السياسية التي تشكلت حول حميد شباط وحلفائه.


لهذا تبدو نتيجة الحزب في 2021 أكبر من وزنه الانتخابي الوطني. لقد أثبت أنه قادر على تحويل النفوذ المحلي المركز إلى مقاعد، لكنه لم ينجح في الوقت نفسه في بناء تصويت حزبي متقارب بين الجهات.


خروج شباط يعيد فتح معركة فاس


تدخل الجبهة اقتراع 2026 من دون الشبكة التي منحتها جزءا مهما من دفعة 2021.

فقد غادرت ريم شباط الحزب، وانتقلت إلى الحركة الشعبية التي دفعت بها على رأس لائحتها في فاس الشمالية، كما ظهر حميد شباط إلى جانب قيادة الحركة ومرشحيها خلال الحملة.


هذا الانتقال لا يمثل خسارة اسم واحد، بل يطرح سؤالا حول مصير كتلة من المنتخبين والمتعاطفين والوسطاء المحليين الذين التحقوا بالجبهة خلال انتخابات 2021.

فحين ينتقل المرشح الذي أسهم في صناعة النتيجة إلى حزب آخر، لا تنتقل الأصوات بالضرورة كلها معه، لكنها لا تبقى آليا لدى الحزب الذي غادره أيضا.


تتحول فاس الشمالية، تبعا لذلك، إلى اختبار لطبيعة التصويت السابق: هل اختار الناخبون رمز «الزيتونة» ومشروع الجبهة، أم صوتوا لشبكة محلية وجدت في الحزب إطارا انتخابيا مناسبا؟


وإذا نجحت الحركة الشعبية في استقطاب الجزء الأكبر من تلك الشبكة، فقد تفقد الجبهة مقعدها المحلي وقسما من رصيدها الجهوي دفعة واحدة. أما إذا حافظت على بنيتها التنظيمية داخل المدينة، فإنها قد تثبت أن حضورها في فاس أصبح مستقلا جزئيا عن الأسماء التي صنعت بدايته.


برنامج مرقم أمام خريطة من 39 دائرة


اختارت الجبهة خوض الانتخابات تحت شعار «الكرامة الآن.. ودائما»، ببرنامج يحمل اسم «ميثاق الكرامة والسيادة»، ويضم خمسة أوراش هيكلية و100 تدبير موزعة على تسعة محاور.


يقترح الحزب إحداث «دخل الكرامة» بغلاف إضافي يبلغ 46 مليار درهم، وتعبئة 150 ألف شاب من حملة الشهادات مقابل خمسة آلاف درهم شهريا، ورصد 32 مليار درهم إضافية للمدرسة العمومية، ورفع حصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الصفقات العمومية إلى 35 في المائة.


كما يضع هدف تحقيق نمو سنوي في حدود 5.6 في المائة، وإحداث مليون منصب شغل وخفض البطالة إلى 8 في المائة بحلول سنة 2031، إلى جانب إجراءات تتعلق بالصحة والماء والجبايات والإعلام والجهوية المتقدمة.


تكمن قوة العرض في أنه لا يكتفي بالشعارات العامة، بل يقدم أرقاما وآجالا. غير أن كثافة الالتزامات تضع الحزب أمام سؤال التمويل والأولويات، خصوصا أن تنفيذ برنامج بهذا الحجم يحتاج إلى كتلة برلمانية مؤثرة أو إلى موقع داخل أغلبية حكومية، وليس فقط إلى بضعة مقاعد.


وتعرض البوابة الرسمية للحزب 39 دائرة محلية يخوض فيها الانتخابات، وهو حضور يظل أقل من نصف الخريطة الوطنية. ومن بين مرشحيه إبراهيم بنحدو في القنيطرة، وأحمد صبار في جرسيف، وأسعيد أومن في بني ملال، وهشام أوسليمان في تارودانت، ويونس السقالي في الدريوش، ومحمد بنمنصور في ورزازات.


يكشف هذا الانتشار أن الحزب لا يراهن على تغطية جميع الدوائر، بل على تركيز موارده في مناطق يرى أن مرشحيه يمتلكون فيها حضورا محليا. وهي استراتيجية تناسب إمكانات الأحزاب الصغيرة، لكنها تقلص قدرتها على تجميع رصيد وطني كبير، خصوصا في اقتراع تصبح فيه الأصوات الجهوية حاسمة في صناعة جزء من المقاعد.


مطبات تنظيمية في المعقل السابق


لم تمر مرحلة إعداد الترشيحات من دون توتر داخل الجبهة. ففي فاس الجنوبية، تبادل المستشار الجماعي علي بومهدي والأمين الجهوي للحزب محمد الزاهر اتهامات بشأن تدبير التزكية.


اتهم بومهدي المسؤول الجهوي بمطالبته بشيك مقابل الحصول على التزكية، بينما نفى الزاهر الاتهام وقرر اللجوء إلى القضاء.

ولا تزال القضية في حدود ادعاءات متبادلة لم تحسمها المحكمة، قبل أن يدخل بومهدي الحملة وكيلا للائحة الحزب في الدائرة.


تكمن حساسية الواقعة في أنها برزت داخل الجهة التي منحت الحزب أهم نتائجه سنة 2021. فالجبهة مطالبة في هذه الانتخابات بتعويض المغادرين وإعادة بناء الثقة داخل تنظيمها، بينما يستهلك النزاع حول التزكيات جزءا من الجهد الذي يفترض توجيهه نحو المنافسين.


ويحاول المصطفى بنعلي تقديم الجبهة باعتبارها حزبا تقدميا مستقلا يمتلك برنامجا بديلا، غير أن المعركة الانتخابية ستقاس أساسا بقدرته على تحويل هذا الخطاب إلى أصوات خارج فاس.

فالأحزاب الصغيرة لا تعاني دائما من غياب الأفكار، بل من صعوبة نقلها إلى تنظيمات محلية قادرة على مراقبة الدوائر وتعبئة الناخبين خلال الحملة وضمان استمرار حضورها إلى موعد التصويت. تفاصيل النزاع ورد الطرفين.


بين فقدان التمثيلية وصناعة مفاجأة محدودة


تفتح خريطة الجبهة ثلاثة سيناريوهات أمام نتائجها في 23 شتنبر.
يقوم السيناريو الأول على فقدان المقعد المحلي بفاس وتراجع التصويت الجهوي بعد انتقال شبكة شباط، بما قد يخفض تمثيلية الحزب إلى مقعد واحد أو يخرجه من مجلس النواب إذا لم تعوضه دوائر أخرى.
أما السيناريو الثاني، وهو سيناريو الحفاظ على الموقع، فيفترض بقاء جزء من أصوات فاس داخل الحزب، إلى جانب تحقيق نتائج جهوية تسمح له بالاحتفاظ بمقعدين أو ثلاثة. وسيعني ذلك أن «الزيتونة» تمكنت من تجاوز أثر المغادرين وتحويل حضورها المؤقت إلى قاعدة انتخابية أكثر استقرارا.


ويظل السيناريو الثالث مرتبطا بصناعة مفاجأة محدودة عبر الفوز في دائرة أو دائرتين خارج معقلها السابق، بما قد يرفع حصيلتها إلى أربعة أو خمسة مقاعد. لكنه يحتاج إلى مرشحين يمتلكون رصيدا شخصيا قويا وإلى تركيز كبير للأصوات، لأن الانتشار في 39 دائرة لا يوفر للحزب هامشا واسعا لتعويض الخسائر.


الأقرب، وفق المعطيات المتاحة، أن تخوض جبهة القوى الديمقراطية معركة دفاعية تتراوح حصيلتها بين مقعد وثلاثة مقاعد.

أما تجاوز نتيجة 2021 فسيكون رهينا بقدرتها على إثبات أن الحزب أكبر من شبكة فاس التي حملته في الاقتراع السابق، وأن برنامجه المرقم وجد في الدوائر المحدودة التي اختارها مرشحين قادرين على تحويله إلى أصوات.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img