تحالف اليسار في انتخابات 2026.. هل تتحول الوحدة إلى مقاعد؟

يختتم «المحيط» سلسلة «عين على 23 شتنبر» بتحالف اليسار، الذي يخوض انتخابات 2026 بتجربة وحدوية تجمع فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، بعد خمس سنوات من التنافس المتفرق والتمثيل البرلماني المحدود.

لا تبدأ معركة التحالف من منافسة الأحزاب الكبرى على الصدارة، بل من سؤال أكثر إلحاحا: هل يستطيع تحويل حضوره في النقابات والجمعيات والحركات الاحتجاجية إلى أصوات، أم سيظل تأثيره في الشارع أكبر من وزنه داخل البرلمان؟

يرفع التحالف شعار «الكرامة أولا»، ويقدم نفسه بديلا ديمقراطيا واجتماعيا يتجاوز حسابات الانتخابات. لكن محطة 23 شتنبر ستضع هذا الطموح أمام اختبار الصندوق، حيث لا تكفي وحدة القيادات والبرامج ما لم تنجح في جمع الناخبين.

مقعدان متفرقـان ورهان على نتيجة مختلفة

دخل مكونا التحالف انتخابات 2021 منفصلين، وحصل كل منهما على مقعد واحد عبر اللوائح الجهوية، من دون أن يتمكنا من انتزاع مقعد داخل الدوائر المحلية.

وبذلك يدخل تحالف اليسار انتخابات 2026 وفي رصيده مقعدان حصدهما مكوناه وهما متفرقان. أما رهانه اليوم، فهو أن تنتج الوحدة الانتخابية أكثر من مجرد جمع حصيلتيهما السابقتين.

يفترض توحيد الرمز واللوائح والحملة أن يحد من تشتيت الأصوات، خاصة في المدن التي يتقاطع فيها جمهور الحزبين. غير أن جمع التنظيمين لا يعني بالضرورة جمع ناخبيهما، لأن جزءا من جمهور اليسار يصوت للأشخاص، بينما يميل جزء آخر إلى المقاطعة أو لا يحتفظ بعلاقة انتخابية دائمة مع الأحزاب.

ويحتاج التحالف، لذلك، إلى تحقيق فوز محلي يمنحه دليلا عمليا على أن الوحدة أحدثت فرقا. فالحفاظ على مقعدين جهويين سيؤمن استمراره داخل البرلمان، لكنه لن يكون كافيا للحديث عن تحول انتخابي.

85 لائحة تكشف طموح الانتشار وحدوده

قدم تحالف اليسار 85 لائحة محلية تضم 284 مترشحا ومترشحة، إلى جانب 11 لائحة جهوية تضم 85 مترشحة. وهو انتشار يضعه ضمن الهيئات السياسية الأكثر تغطية للدوائر، رغم محدودية رصيده البرلماني.

يحمل الرقم دلالة تنظيمية مهمة. فالتحالف لم يكتف بحواضره المعروفة في الدار البيضاء والرباط وبعض المدن الجامعية، بل دخل دوائر قروية وأقاليم ظل وجود اليسار فيها ضعيفا أو موسميا.

لكن الحضور في 85 دائرة لا يعني امتلاك الحظوظ نفسها داخلها. فعدّة لوائح تخوض الانتخابات لإثبات الوجود وبناء التنظيم والتعريف بالمشروع، أكثر مما تخوضها باعتبارها قريبة من الفوز.

كما اختار التحالف الاعتماد على مناضليه وأطره النقابية والحقوقية والمدنية، وابتعد عن استقطاب الأعيان والمرشحين المتنقلين بين الأحزاب. ويمنحه هذا الاختيار مصداقية لدى الناخب الذي يبحث عن عرض سياسي واضح، لكنه يحرمه في دوائر كثيرة من شبكات محلية وموارد انتخابية راكمها منافسوه على امتداد سنوات.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: يمتلك تحالف اليسار خطابا سياسيا واضحا، لكنه يخوض الانتخابات بأدوات أقل من تلك التي تتوفر عليها الأحزاب الكبرى. لذلك ستكون قدرته على تركيز جهوده في الدوائر القابلة للاختراق أهم من عدد اللوائح التي قدمها.

«الكرامة أولا».. عرض اجتماعي بأرقام كبيرة

لا يخفي البرنامج الهوية اليسارية للتحالف. فهو يدعو إلى القطع مع الريع والاحتكار والمضاربات، وبناء اقتصاد إنتاجي يعزز السيادة الوطنية، مع إعادة الاعتبار إلى المدرسة والمستشفى والمرفق العمومي.

ويقترح رفع الحد الأدنى للأجور إلى خمسة آلاف درهم، وإعفاء المواد الأساسية والأدوية من الضريبة على القيمة المضافة، وتخصيص منحة بقيمة ألفي درهم للخريجين الباحثين عن عمل، إلى جانب إنتاج مائة ألف سكن عمومي بإيجار يتناسب مع دخل الأسر.

كما يضع محاربة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع في قلب عرضه السياسي، ويدافع عن إصلاحات دستورية ومؤسساتية توسع مجال المحاسبة وتقوي دور المؤسسات المنتخبة.

ولتمويل هذه الالتزامات، يقترح التحالف تعبئة 162 مليار درهم سنويا في أفق 2031، من خلال إصلاح جبائي أكثر عدالة، ومحاربة التهرب والريع، وتوسيع مساهمة الثروة في تمويل السياسات العمومية.

تمنح هذه الأرقام البرنامج وضوحا يفتقده عدد من العروض الانتخابية، لكنها تضعه أيضا أمام سؤال الكلفة. فإقناع الناخب لا يتوقف على عرض التدابير، بل يتطلب شرح مصادر التمويل وجدول تعبئتها وتأثيرها المحتمل في الاستثمار والمقاولات والتوازنات المالية.

ويعرض التحالف، في النهاية، برنامجا أقرب إلى مشروع حكومي، بينما يبقى هدفه الانتخابي المباشر بناء معارضة يسارية قادرة على التأثير في التشريع ومراقبة الحكومة.

منيب والتامني أمام اختبار الدوائر المحلية

اختار التحالف دفع أبرز وجوهه البرلمانية إلى المنافسة المحلية، فرشح نبيلة منيب في دائرة أنفا، وفاطمة الزهراء التامني في دائرة عين السبع–الحي المحمدي.

دخلت المرشحتان مجلس النواب سنة 2021 عبر اللوائح الجهوية، ولذلك يحمل انتقالهما إلى الدوائر المحلية مخاطرة سياسية واضحة. فالفوز سيمنح التحالف مقعدين بثقل انتخابي أكبر، بينما قد يؤدي الإخفاق إلى فقدان صوتين بارزين داخل البرلمان.

تدخل منيب دائرة أنفا مستندة إلى حضور وطني وخطاب سياسي معروف. ويمكن لصورتها المعارضة أن تستقطب جزءا من الطبقة الوسطى والناخبين الغاضبين من الأحزاب الكبرى، لكن الشهرة الإعلامية وحدها لا تحسم الانتخابات داخل دائرة تتنافس فيها أسماء تمتلك نفوذا تنظيميا ومحليا.

أما التامني، فتخوض المنافسة في عين السبع–الحي المحمدي، وهي دائرة ذات امتداد عمالي واجتماعي ينسجم مع خطاب التحالف. ويمنحها نشاطها البرلماني رصيدا سياسيا، غير أن انتزاع المقعد يتطلب توسيع دائرة المؤيدين خارج الجمهور الحقوقي والحزبي المعتاد.

ويراهن التحالف أيضا على محمود عمر بنجلون في الرباط المحيط، ولبنى نجيب في الفداء–مرس السلطان، والحسين اليماني في المحمدية، حيث تحضر قضية مصفاة «سامير» والتشغيل والأمن الطاقي بقوة في الحملة.

تبدو فرص التحالف أفضل في هذه الدوائر الحضرية، حيث يحتفظ اليسار بحضور نقابي وثقافي وتاريخي. غير أن جزءا مهما من جمهوره المفترض يوجد بين الفئات الأكثر عزوفا عن التصويت، وهو ما يجعل التعبئة أصعب من كسب التعاطف.

بين المحافظة على المقعدين وصناعة المفاجأة

سيكون الخروج بمقعد واحد أو من دون تمثيل برلماني أسوأ سيناريو للتحالف. وقد يحدث ذلك إذا أخفقت وجوهه البارزة في المنافسة المحلية ولم تعوضها نتائج اللوائح الجهوية. عندها ستتعرض الوحدة لانتكاسة انتخابية مبكرة، حتى إن استمر التنسيق السياسي بين مكونيها.

أما الحفاظ على مقعدين أو إضافة مقعد ثالث، فيبدو السيناريو الأقرب إلى موازين القوة الحالية. وستسمح هذه النتيجة للتحالف بتفادي التراجع، لكنها لن تمنحه الوزن الذي يحتاج إليه لفرض حضوره داخل مجلس النواب.

وتبدأ المفاجأة من أربعة مقاعد فما فوق. ويتطلب ذلك فوز أحد الوجوه البارزة في الدوائر المحلية، وتحقيق نتائج جيدة في بعض اللوائح الجهوية، والاستفادة من تشتت أصوات المنافسين داخل المدن الكبرى.

ولا يحتاج تحالف اليسار إلى الاقتراب من المراتب الأولى حتى يسجل تقدما. معركته الحقيقية هي إثبات أن اليسار الحقوقي والنقابي والاحتجاجي يستطيع أن يصبح قوة انتخابية أيضا.

إذا انتزع التحالف مقاعد محلية وحافظ على حضوره عبر اللوائح الجهوية، فستكون الوحدة قد حصلت على أول شرعية انتخابية لها. أما إذا بقي عند حدود مقعد أو مقعدين، فسيكون قد عالج مشكلة التشتت التنظيمي، من دون أن يعالج بعد ضعف حضوره داخل صناديق الاقتراع.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img