لم تعد صناعة السيارات في المغرب مجرد قطاع تصديري يوفر مناصب الشغل والعملات الصعبة، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى جزء من التحولات العالمية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر وسلاسل الإنتاج منخفضة الانبعاثات، في سياق تتزايد فيه الضغوط الدولية على الصناعات الكبرى لتبني معايير أكثر استدامة.
هذا التحول رصده تقرير حديث صادر سنة 2025 عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، والذي وضع المغرب ضمن الدول التي تعمل على إعادة تموقعها داخل سلاسل الصناعة المستدامة، خاصة في قطاع السيارات الذي أصبح أحد أعمدة الاقتصاد الصناعي للمملكة خلال العقد الأخير.
التقرير يشير إلى أن المنافسة الصناعية العالمية لم تعد تقوم فقط على الكلفة والإنتاج، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بمعايير الحكامة البيئية والاجتماعية والحوكمة، إضافة إلى الاعتماد على الطاقات المتجددة والرقمنة والابتكار داخل منظومات التصنيع. وهي تحولات تدفع الدول الصناعية والناشئة إلى إعادة صياغة نماذجها الاقتصادية لمواكبة المرحلة الجديدة.
في هذا السياق، يبدو المغرب وكأنه يسعى إلى استثمار الزخم الذي راكمه في قطاع السيارات خلال السنوات الماضية، عبر الانتقال من دور منصة تصنيع منخفضة الكلفة إلى موقع أكثر ارتباطا بالصناعات النظيفة والتكنولوجيات المرتبطة بالتحول الطاقي، خصوصا السيارات الكهربائية والهجينة.
ويستفيد المغرب في هذا المسار من عدة عوامل، أبرزها موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، والبنيات التحتية الصناعية واللوجستية التي جرى تطويرها، إضافة إلى الاستثمارات المتواصلة في الطاقات المتجددة، وهو ما يمنحه أفضلية متزايدة داخل سلاسل التوريد التي تبحث اليوم عن إنتاج أقل كربونا وأكثر استدامة.
كما يعكس التقرير تحولا أعمق تعرفه الصناعة العالمية، حيث لم تعد الاستدامة مجرد بعد بيئي أو دعائي بالنسبة للشركات الكبرى، بل أصبحت عنصرا حاسما في التنافسية الصناعية وجذب الاستثمارات والأسواق، خاصة مع تشديد المعايير البيئية داخل الاتحاد الأوروبي والأسواق الدولية.
وفي خلفية هذا التحول، يبرز رهان استراتيجي بالنسبة للمغرب: كيف يمكن تحويل الطفرة الصناعية الحالية إلى تموقع طويل المدى داخل صناعات المستقبل؟ فالمنافسة لم تعد فقط حول تصنيع السيارات، بل حول التحكم في سلاسل القيمة المرتبطة بالبطاريات والطاقة النظيفة والمواد الأولية والتكنولوجيا.
ومع تسارع التحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون، تبدو المملكة أمام فرصة لإعادة تعريف دورها الصناعي داخل المنطقة، ليس فقط كمركز إنتاج، بل كفاعل صاعد داخل الاقتصاد الأخضر العالمي.


