في وقت أصبح فيه الخبر ينافس منشورا على شبكة اجتماعية ومقطع فيديو يصنعه مؤثر وإجابة يولدها الذكاء الاصطناعي في ثوان، اجتمعت مؤسسات إعلامية من أكثر من 100 دولة حول رسالة واحدة: الصحافة الموثوقة لا تزال مهمة.
وجاءت الرسالة ضمن فعاليات اليوم العالمي للأخبار، الذي صادف 28 شتنبر، وتستمر حملته هذا العام من 25 شتنبر إلى مطلع أكتوبر، بمشاركة مؤسسات إخبارية ومنظمات داعمة للصحافة عبر العالم.
واختارت حملة 2026 شعارا يقوم على ثلاث أفكار: معرفة الحقائق، وفهم ما يهم، واختيار الصحافة الموثوقة. لكنها لم تطلب من المؤسسات الإعلامية الاكتفاء بالدفاع عن نفسها، بل دعتها إلى إظهار ما يحدث داخل غرفة الأخبار قبل وصول المادة إلى القارئ.
فعندما يرى الجمهور خبرا منشورا، فإنه لا يرى بالضرورة الاتصالات التي أجراها الصحفي، ولا المصادر التي جرت مقاطعتها، ولا الوثائق التي تم التحقق منها، ولا النقاش التحريري الذي سبق الضغط على زر النشر.
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر مع دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي بقوة إلى صناعة المحتوى.
فالنصوص والصور ومقاطع الفيديو الاصطناعية أصبحت أسهل في الإنتاج، فيما تتولى خوارزميات الشبكات الاجتماعية جزءا متزايدا من تحديد ما يصل إلى المستخدمين.
ولم تعد المنافسة، بذلك، قائمة فقط بين صحيفة وأخرى أو بين موقعين إخباريين.
غرفة الأخبار باتت تنافس تدفقا شبه غير محدود من المحتوى، بعضه صحفي، وبعضه ترفيهي أو دعائي، وبعضه الآخر قد يكون مضللا أو مولدا آليا.
ويأتي ذلك بينما تواجه صناعة الأخبار مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في إغلاق غرف أخبار وتراجع الميزانيات والموارد المخصصة للعمل الصحفي الأصلي، في الوقت الذي أصبح فيه إنتاج المحتوى غير المتحقق منه أسرع وأقل تكلفة.
ويرى القائمون على اليوم العالمي للأخبار أن على المؤسسات الصحفية أن تشرح للجمهور بصورة أفضل كيف تعمل، وأن تكشف عن الجهد المهني الذي يسبق نشر الخبر، من البحث والتحقق إلى التحرير والمراجعة.
وهذا التحول يطرح سؤالا يتجاوز المناسبة: إذا كانت المعلومة متاحة في كل مكان، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على تلخيصها وإعادة صياغتها خلال ثوان، فما الذي يبقى للمؤسسة الصحفية؟
قد تكمن الإجابة بصورة متزايدة في ما لا يراه القارئ على الشاشة: الوصول إلى المصدر، والتحقق، والسياق، والمساءلة، والقدرة على التمييز بين ما هو معروف وما لم يثبت بعد.
وبالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية الصغيرة، يصبح هذا الرهان أكثر حساسية.
فهي لا تستطيع منافسة المنصات العالمية في الحجم أو سرعة إنتاج المحتوى، لكنها تستطيع بناء قيمتها حول الثقة والتخصص والتفسير والشفافية بشأن مصادر معلوماتها.
لذلك تبدو معركة الصحافة المقبلة أقل ارتباطا بمن يستطيع إنتاج أكبر عدد من الأخبار، وأكثر ارتباطا بسؤال آخر: من يستطيع أن يمنح القارئ سببا كافيا لكي يثق في الخبر الذي يقرأه؟


