في 12 يونيو 2009، خاضت محامية مراكشية في الثالثة والثلاثين من عمرها أول انتخابات في حياتها. وفي اليوم نفسه، فقدت والدها عبد الرحمن المنصوري، باشا مراكش السابق.
بعد عشرة أيام، انتخبها أعضاء المجلس رئيسة للمدينة التي كان والدها أحد رجال سلطتها. حصلت على 54 صوتا مقابل 35 لمنافسها عمر الجزولي، وانتقلت من متابعة ملفات موكليها إلى تدبير ملفات مدينة كاملة.
بعد 17 عاما، تغير المكان وكبرت المسؤولية. في 29 شتنبر 2026، استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي بالرباط، وعينها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها.
جاء التعيين بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات مجلس النواب. وللمرة الأولى في تاريخ المغرب، أصبحت امرأة على رأس الحكومة.
لكن المسافة بين مراكش والرباط لم تقطع في يوم واحد. وراء ذلك الموعد سنوات من المحاماة والانتخابات والبرلمان والوزارة والحزب، ولحظات كان يمكن أن تأخذ الحكاية في اتجاه آخر.
ولدت المنصوري في مراكش يوم 3 يناير 1976، ودرست القانون الخاص بجامعة محمد الخامس بالرباط. ثم واصلت تكوينها في جامعة مونبلييه بفرنسا وجامعة بايس بالولايات المتحدة.
عادت إلى مراكش، والتحقت بهيئة المحامين في مارس 2005، واختارت القانون العقاري تخصصا لها. وبعد عامين، بدأت تقترب من السياسة.
انضمت سنة 2007 إلى حركة «لكل الديمقراطيين»، ثم كانت في السنة التالية ضمن مؤسسي حزب الأصالة والمعاصرة. وفي يونيو 2009، وضعت اسمها للمرة الأولى أمام الناخبين.
الفوز بمقعد في المجلس لم يكن يعني أن تصبح رئيسة لمراكش. كان عليها أن تجمع أصوات أعضاء المجلس، فحصلت على 54 صوتا وتقدمت على عمر الجزولي.
وجدت نفسها في الثالثة والثلاثين على رأس واحدة من أشهر مدن المغرب. لكن أول تجربة لها في تدبير المدينة سرعان ما وصلت إلى القضاء.
فبعد أسابيع، قدمت طعون في نتائج انتخابات مقاطعة المنارة، وصدر حكم ابتدائي بإلغاء النتائج. وفي شتنبر 2009، ألغت محكمة الاستئناف الإدارية الحكم، فواصلت المنصوري رئاسة المجلس.
وبعد نحو عامين، لم تأت الأزمة من صندوق الاقتراع ولا من المحكمة، بل من داخل السياسة. في يوليوز 2011، قدمت استقالتها من رئاسة مجلس مراكش ومن حزب الأصالة والمعاصرة.
تحدثت عن إكراهات داخل التنظيم المحلي وعن «الفساد الضاغط»، قبل أن تجمد استقالتها وتعود إلى المجلس. كان مسار بدأ قبل عامين فقط على وشك التوقف، لكنه استمر.
وفي السنة نفسها، انتخبت نائبة في مجلس النواب، ثم أعيد انتخابها سنة 2016. ومع كل محطة، كان جزء أكبر من حياتها السياسية ينتقل من مراكش إلى الرباط.
داخل الحزب، تولت رئاسة المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة بين 2015 و2024.
مرت خلال تلك السنوات قيادات مختلفة على الحزب، فيما بقيت المنصوري في واحد من أعلى هياكله.
أما مراكش، فغادرت رئاسة مجلسها سنة 2015، لكنها لم تغادر مسارها.
بعد ست سنوات، عادت إلى المجلس وانتخبت في شتنبر 2021 مرة أخرى رئيسة للمدينة.
ولم تمض سوى أسابيع حتى جاء اتصال آخر بالرباط. في 7 أكتوبر 2021، عينت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
كان في الحقيبة الجديدة شيء من حياتها السابقة. فالمحامية المتخصصة في العقار، ورئيسة المدينة التي خبرت ملفات التعمير، أصبحت مسؤولة عن السكن والتخطيط الحضري في المغرب كله.
ومن الوزارة، وجدت أمامها ملفات من بينها برنامج الدعم المباشر للسكن. ثم جاء زلزال الحوز سنة 2023، لتصبح إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة جزءا من الملفات المرتبطة بقطاعها.
ولم يكن الطريق خاليا من الجدل. فقد واجهت اتهامات إعلامية بشأن احتمال تضارب المصالح على خلفية عقار عائلي في منطقة تسلطانت بضواحي مراكش.
نفت المنصوري الاتهامات، وقالت إن العقار ملكية عائلية تعود إلى عقود قبل دخولها العمل السياسي. كما لجأت إلى القضاء في مواجهة بعض ما نشر بشأن الملف.
وفي فبراير 2024، عقد حزب الأصالة والمعاصرة مؤتمره الوطني الخامس. خرج المؤتمر بقيادة جماعية ضمت المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي، وتولت هي مهمة تنسيقها.
لاحقا، حلت فاطمة السعدي محل أبو الغالي. وظلت المنصوري منسقة للقيادة الجماعية، فيما كان موعد آخر مع صندوق الاقتراع يقترب.
وجاء 23 شتنبر 2026.
تصدر الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعدا من أصل 395، مقابل 87 مقعدا في انتخابات 2021. وفي مراكش، كانت المنصوري تخوض بدورها الانتخابات من جديد.
تصدرت لائحة حزبها بدائرة مراكش المدينة–سيدي يوسف بن علي وفازت بمقعدها. وبعد 17 عاما، أعادها الصندوق إلى البرلمان من المدينة نفسها التي بدأت منها رحلتها السياسية.
هذه المرة، لم يبق السؤال في مراكش طويلا. انتقل إلى الرباط: من سيكلف بتشكيل الحكومة بعد تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات؟
جاء الجواب بعد ستة أيام. في 29 شتنبر، استقبل الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري بالقصر الملكي، وعينها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها.
كانت في الخمسين. قبل ذلك اليوم كانت قد أدارت مراكش، وجلست في مجلس النواب، وترأست المجلس الوطني لحزبها، ودخلت الحكومة وزيرة، ثم أصبحت منسقة للقيادة الجماعية للحزب.
وهكذا حمل يوم 29 شتنبر معه سابقة أخرى في مسارها. فالمرأة التي أصبحت سنة 2009 أول امرأة تتولى عمودية مراكش، أصبحت بعد 17 عاما أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب.
لكن الرقم الذي أوصل حزبها إلى الصدارة يضع أمامها أول مسألة عملية أيضا. فـ97 مقعدا لا تكفي وحدها لصناعة أغلبية مطلقة في مجلس النواب، وعليها أن تجد شركاء للحكومة الجديدة.
وبعد حساب المقاعد يأتي حساب أصعب، يعيشه المغاربة خارج البرلمان: الشغل والدخل والصحة والتعليم والسكن والأسعار، إلى جانب أوراش واستحقاقات كبرى تستعد لها البلاد، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
هنا تنتهي قصة الوصول وتبدأ قصة الحكم. فدخول التاريخ يحدث في يوم واحد، أما الحكم على التجربة فيحتاج إلى ما سيأتي بعد ذلك.
لم يشهد عبد الرحمن المنصوري أيا من ذلك: لا انتخاب ابنته، بعد عشرة أيام من رحيله، على رأس المدينة التي كان باشا لها، ولا المسافة التي قطعتها بعد ذلك بين البرلمان والوزارة وقيادة الحزب.
ولم يشهد يوم 29 شتنبر 2026، حين وصلت ابنته إلى رئاسة الحكومة. بين ذلك الصندوق في مراكش وهذا الموعد في الرباط، سبعة عشر عاما تغيرت خلالها المواقع واتسعت المسؤولية.
بدأت الحكاية من مدينة كان والدها باشا لها، أما الملف الذي أصبح اليوم أمام فاطمة الزهراء المنصوري فأكبر من مدينة؛ اسمه المغرب.


