يرسم تقرير حديث صادر عن مركز التفكير الأمريكي “ستيمسون”، صورة لمغرب يوجد في قلب مرحلة إعادة تموقع اقتصادي وجيوسياسي عميقة، يحاول من خلالها الانتقال من اقتصاد قائم على الصناعات منخفضة الكلفة إلى فاعل صناعي وطاقي إقليمي يرتبط بشكل متزايد بسلاسل الإمداد العالمية والتحولات الكبرى التي يعرفها الاقتصاد الدولي.
التقرير، الذي حمل عنوان “تحليل تحوّل المغرب إلى قوة وسطى استراتيجية وسط التحولات الاقتصادية والضغوط المناخية والتنافس الجيوسياسي”، يعتبر أن المملكة دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: التحول الاقتصادي، وإعادة بناء التماسك الاجتماعي، وإعادة التموضع الدبلوماسي داخل فضاء إقليمي ودولي متغير.
في الجانب الاقتصادي، يرى التقرير أن المغرب نجح في إعادة تشكيل موقعه داخل الاقتصاد العالمي عبر تطوير قطاعات السيارات والطيران والمعادن الاستراتيجية والطاقة المتجددة، ما ساهم في تحويله إلى أحد أبرز مراكز التصنيع والتصدير في إفريقيا.
ويشير التقرير إلى أن المملكة أصبحت أكبر مصنع للسيارات في القارة، مستفيدة من البنية التحتية والموانئ والاتفاقيات التجارية، إلى جانب سعي الدول الأوروبية والغربية إلى تقليص اعتمادها الصناعي على الصين والبحث عن وجهات قريبة وأكثر استقرارا للتصنيع والاستثمار.
وفي هذا السياق، توقف التقرير عند الدور الذي بات يلعبه ميناء طنجة المتوسط، معتبرا أنه تحول إلى أحد أهم مراكز الربط التجاري واللوجستي في المنطقة المتوسطية والإفريقية، بما يعكس سعي المغرب إلى تحويل موقعه الجغرافي من مجرد معبر بين القارات إلى منصة استراتيجية للتجارة والاستثمار.
ولا يتوقف التقرير عند الصناعة، بل يبرز أيضا طموح المغرب للتحول إلى منصة مرتبطة بالاقتصاد الأخضر، خاصة في مجالات الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة والمواد الأولية الداخلة في صناعة البطاريات، مستفيدا من احتياطاته الضخمة من الفوسفاط وموقعه الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يعتبر التقرير أن المغرب أعاد خلال السنوات الأخيرة بناء حضوره الإقليمي والدولي عبر توسيع شراكاته الاقتصادية والدبلوماسية داخل إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي.
ويشير إلى أن عودة الرباط إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 شكلت نقطة تحول مهمة في السياسة الخارجية المغربية، عبر الانتقال من منطق الحضور الدبلوماسي التقليدي إلى استراتيجية تقوم على الاستثمار والربط الاقتصادي والنفوذ الإقليمي.
وفي هذا الإطار، يبرز التقرير توسع الحضور المغربي داخل القارة الإفريقية، خاصة في قطاعات البنوك والاتصالات والأسمدة والطاقة، إلى جانب مشاريع استراتيجية كبرى مثل أنبوب الغاز المغربي النيجيري، الذي يعتبره التقرير مشروعا يتجاوز البعد الاقتصادي ليحمل رهانات جيوسياسية مرتبطة بإعادة تشكيل الخريطة الطاقية لغرب إفريقيا وربطها بأوروبا عبر المغرب.
كما يشير التقرير إلى أن المغرب يوظف أيضا أدوات “القوة الناعمة”، من خلال التكوين الديني والتعاون التعليمي والمشاريع التنموية، بهدف بناء نفوذ طويل المدى داخل القارة الإفريقية.
وفي ملف الصحراء، يعتبر التقرير أن المملكة حققت خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية مهمة، خاصة قرار مجلس الأمن لسنة 2025 الذي وضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في صلب المسار الأممي الخاص بالنزاع.
لكن التقرير يلفت في المقابل إلى أن موقف الجزائر ودعمها للبوليساريو يعد أحد أبرز معوقات بناء فضاء مغاربي متكامل.
وخلص مركز التفكير الأمريكي “ستيمسون” إلى أن المغرب بات يمتلك عددا متزايدا من مقومات “القوة الوسطى”، من بينها الاستقرار المؤسساتي، والموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والانفتاح الاقتصادي، والقدرة على بناء شراكات متعددة، في عالم يشهد تحولات متسارعة في خرائط النفوذ والتوازنات الدولية.
نورالدين البيار


