وضع الخطاب الملكي، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، الحكومة والبرلمان أمام رهان تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، في مرحلة وصفها الملك محمد السادس بأنها حافلة بفرص قد لا تتكرر.
فلم يعد الرهان الاقتصادي للمغرب مقتصرا على تحقيق معدلات نمو مرتفعة أو استقطاب الاستثمارات الكبرى، بل أصبح مرتبطا بقدرة هذه الدينامية على خلق فرص الشغل وتحسين مستوى عيش المواطنين وتقليص الفوارق بين الجهات. وهي معادلة تضع المؤسسات المنتخبة أمام اختبار تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة، كما تبرز قراءتان للخطاب الملكي قدمهما لـ«المحيط» خبيران في الاقتصاد والشؤون الاستراتيجية.
فبينما يركز جدري على الفرص الاقتصادية التي يتعين على المغرب استثمارها قبل فواتها، وعلى ضرورة إحداث تحول في علاقة النمو بالتشغيل، يضع مكاوي الخطاب في سياق أوسع يرتبط بالاستقرار المؤسساتي وتعزيز الموقع الاستراتيجي للمملكة، ودور المؤسسات المنتخبة في مواكبة الأولويات الوطنية.
ويرى محمد جدري أن الخطاب الملكي جاء في ظرفية استثنائية، تتزامن مع الاستعداد لتشكيل حكومة جديدة، وفي ظل تحولات جيوستراتيجية واقتصادية عالمية متسارعة، لا تسمح للمغرب بالاكتفاء بانتظار انعكاساتها على اقتصاده.
ويعتبر أن المرحلة تفرض الانتقال من منطق التفاعل مع التحولات الدولية إلى استباقها، من خلال استثمار الفرص التي قد لا تتكرر، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالطاقات المتجددة والاستثمارات الجديدة والبنيات التحتية.
وفي هذا السياق، يلفت المحلل الاقتصادي إلى أهمية الفرصة الديمغرافية التي لا يزال المغرب يتوفر عليها، معتبرا أن السنوات الخمس والعشرين المقبلة ستكون حاسمة في الاستفادة من الوزن الحالي لفئة الشباب قبل تقدم المجتمع تدريجيا نحو الشيخوخة.
وبالنسبة إلى جدري، فإن الاستفادة من هذه النافذة الديمغرافية تقتضي توفير فرص العمل وتحسين التأهيل والإنتاجية، حتى تتحول الكتلة الشبابية إلى رافعة للنمو، بدلا من أن يستمر ضعف إدماجها الاقتصادي في إهدار إمكانات التنمية.
ويضيف أن الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 يمثل فرصة اقتصادية أخرى، لا ينبغي اختزالها في إنجاز التجهيزات والبنيات التحتية، بل يتعين توظيفها لتحفيز الاستثمار وتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص شغل مستدامة.
إقرأ أيضا : الملك محمد السادس يحدد أولويات الولاية التشريعية الجديدة ويدعو إلى تسريع الإصلاحات
غير أن هذه الفرص، وفق قراءته، لن تكون كافية من دون تعزيز السيادة الاقتصادية، خاصة في المجالات التي أظهرت التطورات المناخية والدولية مدى حساسيتها.
ويضع جدري الأمن المائي والطاقي في مقدمة هذه الأولويات، إلى جانب تطوير المخزونات الاستراتيجية من المحروقات والمواد الأساسية، معتبرا أن تقليص الارتهان للتقلبات المناخية والأسواق الخارجية شرط لتعزيز قدرة الاقتصاد المغربي على الصمود.
وفي قراءته للبعد الاجتماعي للخطاب، يثير جدري إشكالية العلاقة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والأثر الفعلي للسياسات العمومية على المواطنين.
فارتفاع معدلات النمو وتحسن بعض المؤشرات المالية، في تقديره، لا يكفيان للحكم على نجاح الخيارات الاقتصادية إذا لم يواكبهما تراجع ملموس في البطالة، وخاصة في صفوف الشباب، وتحسن في مستوى العيش.
ومن هذا المنطلق، يدعو إلى إعادة النظر في الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص، معتبرا أن الاقتصاد الوطني يحتاج إلى مقاولات تبادر إلى الاستثمار وتتحمل المخاطر وتخلق فرص الشغل، عوض استمرار اعتماد جزء من النشاط الاقتصادي على الطلب العمومي والمشاريع التي تمولها الدولة.
ولا يقل ملف الجهوية المتقدمة أهمية في قراءة جدري، إذ يرى أن تحقيق العدالة المجالية يظل مرتبطا بقدرة الجهات على ممارسة اختصاصاتها فعليا، وليس بمجرد توسيع الأهداف المعلنة للسياسات الترابية.
ويشير في هذا الصدد إلى استمرار إكراهات تتعلق بنقص الموارد المالية والبشرية، وعدم وضوح بعض الاختصاصات، وتداخل تدخلات الإدارات المركزية والجهوية، وهي عوامل يعتبر أنها تعرقل تنفيذ البرامج وتحد من فعالية المؤسسات الترابية.
إقرأ أيضا : الملك محمد السادس يدعو إلى مراجعة التعاون في الهجرة ويوجه رسائل لإسبانيا
وعلى مستوى آخر، يقرأ عبد الرحمان مكاوي الخطاب الملكي باعتباره مؤشرا على بداية مرحلة مؤسساتية جديدة، تتجاوز أهمية انتظام الاستحقاقات الانتخابية وتشكيل المؤسسات إلى قدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية والاستراتيجية.
ويرى مكاوي، في مذكرة تحليلية توصلت بها «المحيط»، أن الاستقرار المؤسساتي يمثل أحد عناصر القوة التي يمكن للمغرب توظيفها لتعزيز جاذبيته الاستثمارية وتوسيع شراكاته الاقتصادية، في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة وعدم اليقين.
وبحسب قراءته، فإن الرهان الأساسي يتمثل في جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة إطارا لتعبئة الجهود حول الأولويات الاستراتيجية، مع تحقيق الانسجام بين الأوراش الاقتصادية الكبرى ومتطلبات العدالة الاجتماعية والمجالية.
ويلتقي مكاوي مع جدري عند أهمية التنمية الترابية، لكنه يضعها ضمن تصور استراتيجي أوسع، يعتبر فيه أن تعزيز التماسك الداخلي وتقليص التفاوتات بين المجالات الترابية يساهمان في تقوية موقع المغرب وقدرته على مواجهة التحولات الخارجية.
ويؤكد أن المرحلة المقبلة تستدعي ربط الاستثمار في المشاريع الكبرى بتوسيع الاستفادة من ثمار التنمية، حتى لا يتحول التقدم الاقتصادي إلى مؤشرات عامة لا تعكس بالضرورة واقع مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
كما يمنح مكاوي أهمية خاصة للدور المؤسساتي للبرلمان والأحزاب السياسية، معتبرا أن مواكبة الأولويات الوطنية لا ينبغي أن تقتصر على العمل التشريعي والرقابي، بل تشمل أيضا المساهمة في الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة وتعزيز حضورها الخارجي.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الدبلوماسية البرلمانية والحزبية بوصفها آلية مكملة للدبلوماسية الرسمية، قادرة على توسيع قنوات التواصل والترافع بشأن القضايا ذات الأولوية بالنسبة إلى المغرب.
إقرأ أيضا : عتيق السعيد يقرأ رسائل الخطاب الملكي بشأن الهجرة والتعاون مع إسبانيا
ويربط الباحث في الشؤون الاستراتيجية هذه الأبعاد بما يعتبره تحولا في موقع المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي، حيث لم تعد الشراكات الخارجية، في تقديره، مجرد علاقات تجارية، بل أصبحت جزءا من معادلة أوسع تجمع بين الاستثمار والاستقرار والمصالح الاستراتيجية المتبادلة.
ورغم اختلاف زاويتي التحليل، تلتقي قراءتا جدري ومكاوي عند فكرة مركزية مفادها أن المغرب يتوفر على فرص اقتصادية ومؤسساتية مهمة، لكن الاستفادة منها تظل رهينة بفعالية التنفيذ.
فمن منظور جدري، يبدأ الاختبار الحقيقي من قدرة الحكومة على تحويل النمو إلى تشغيل، وتطوير الأمن الاقتصادي، وتمكين الجهات من وسائل العمل. أما مكاوي، فيرى أن نجاح المرحلة يتطلب انسجام المؤسسات حول الأولويات الاستراتيجية، وربط التنمية الداخلية بتعزيز موقع المملكة وشراكاتها الخارجية.
وبين القراءتين، يبرز سؤال يتجاوز مضمون الخطاب إلى ما سيليه من قرارات وبرامج: هل تستطيع الحكومة والبرلمان تحويل الفرص التي تحدث عنها الملك إلى نتائج قابلة للقياس، يشعر بها الشباب والمقاولون وسكان الجهات المختلفة؟
ذلك هو الاختبار الذي ستواجهه الولاية الجديدة، ليس فقط من خلال حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلنة، وإنما أيضا من خلال قدرتها على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.


