تكتسي الزيارة المرتقبة لملك إسبانيا فيليبي السادس والملكة ليتيسيا إلى سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، أبعادا سياسية تتجاوز طابعها البروتوكولي، في ظل احتدام الصراع الداخلي بإسبانيا واقتراب الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نونبر المقبل.
وبينما ينظر إلى الجولة باعتبارها تأكيدا رمزيا للسيادة الإسبانية على المدينتين، يرى الباحث في الشأن الإسباني نبيل دريوش أن رسائلها تتجه هذه المرة إلى الداخل الإسباني أكثر مما تتجه إلى المغرب.
وفي قراءة خص بها «المحيط»، اعتبر دريوش، مؤلف كتابي «الجوار الحذر» و«إسبانيا الآن»، أن زيارات العاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية تكتسي بطبيعتها طابعا خاصا، بالنظر إلى الخلاف التاريخي القائم مع المغرب حول المدينتين، غير أن السياق السياسي الراهن يمنح زيارة فيليبي السادس دلالات مختلفة، ترتبط أساسا بالمواجهة بين رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وقوى اليمين الإسباني.
وأوضح الباحث أن سبتة تحولت خلال الشهرين الماضيين إلى إحدى ساحات الصراع السياسي الداخلي، على خلفية أزمة الهجرة التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز، وما أثارته من خلافات بشأن مسؤولية الحكومة المركزية وتدبير الحدود.
ويرى دريوش أن الجديد في هذه الجولة يتمثل في ما يعتبره اصطفافا للمؤسسة الملكية الإسبانية إلى جانب اليمين وما وصفه بـ«الدولة العميقة» في مواجهة سانشيز، معتبرا أن ذلك يمثل خروجا عن الدور الحيادي المفترض للمؤسسة الملكية.
وبحسب هذه القراءة، فإن الزيارة ترتبط بالصراع السياسي الداخلي أكثر من ارتباطها بالرغبة في توجيه رسالة جديدة إلى المغرب بشأن السيادة على سبتة ومليلية، خاصة أن الموقف الإسباني الرسمي من وضع المدينتين لم يعرف تغييرا يستدعي مثل هذا التأكيد.
وتكشف متابعة الصحافة الإسبانية أن التحضير للجولة لم يكن بعيدا عن التجاذبات السياسية. فقد توقفت صحيفة «إلباييس» عند الخلافات التي رافقت تحديد موعد الزيارة بين الحكومة المركزية وسلطات سبتة والقصر الملكي، بعدما ظلت تفاصيلها محل ترقب طوال أسابيع.
وفي قراءة أخرى نشرتها الصحيفة نفسها، نقلت عن مصادر بالقصر الملكي الإسباني أن الزيارة كانت مطروحة قبل أزمة الهجرة الأخيرة، وأن تحديد موعدها استدعى مراعاة حساسية العلاقات مع المغرب. كما أبرزت رغبة المؤسسة الملكية في تأكيد حضورها بالمدينتين، مع الحفاظ على مسار العلاقات مع الرباط.
إقرأ أيضا : الملك محمد السادس يدعو إلى مراجعة التعاون في الهجرة ويوجه رسائل لإسبانيا
غير أن الرواية الرسمية الإسبانية تقدم معطى مختلفا عن تفسير الاصطفاف السياسي. فقد أكد التلفزيون العمومي الإسباني أن الزيارة جرى الاتفاق بشأنها بين الحكومة والقصر الملكي، فيما أوضحت الحكومة أن عدم مرافقة بيدرو سانشيز للملكين لا يعني بالضرورة وجود خلاف بين المؤسستين.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية مع قرار سانشيز تقديم الانتخابات التشريعية إلى 29 نونبر، ما يضع الجولة الملكية في مرحلة سياسية تتسم بتصاعد المنافسة بين الحزب الاشتراكي وخصومه، وفي مقدمتهم الحزب الشعبي وحزب فوكس.
وتعود آخر زيارة لملك إسباني إلى المدينتين إلى نونبر 2007، عندما قام الملك السابق خوان كارلوس والملكة صوفيا بجولة أثارت أزمة دبلوماسية مع المغرب، الذي استدعى آنذاك سفيره من مدريد للتشاور.
لكن دريوش يستبعد أن تفضي الزيارة الحالية إلى تحول جوهري في العلاقات الثنائية، معتبرا أن تأكيد السيادة الإسبانية يستهدف أساسا الرأي العام الإسباني، في حين أن الخلاف مع المغرب أعمق من أن تحسمه زيارة ملكية أو تطورات ظرفية.
ويشدد الباحث على أن ملف سبتة ومليلية سيظل مفتوحا، وأن معالجته تحتاج إلى مقاربة براغماتية واستراتيجية بعيدة المدى، بالنظر إلى تعقيداته التاريخية والسياسية.
وفي ما يتعلق بالموقف المغربي، يرى دريوش أن الرباط تعاملت مع الإعلان عن الزيارة بحكمة تراعي طبيعة المرحلة الحالية، ولم تنجر إلى مواجهة دبلوماسية مباشرة، رغم استمرار الخلاف بشأن المدينتين.
ويعتبر أن المواقف التي تعبر عنها وسائل الإعلام والتحركات الاحتجاجية المرتقبة تشكل جزءا من الرسائل السياسية المحيطة بالزيارة، في وقت يفضل فيه المغرب، وفق تقديره، الحفاظ على قنوات التعاون مع مدريد وتدبير الخلاف ضمن رؤية أوسع للمصالح المشتركة.
ويربط دريوش هذا التوجه بالخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، الجمعة 9 أكتوبر، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، معتبرا أن مضامينه المتعلقة بالعلاقات مع إسبانيا تقدم تصورا مختلفا لكيفية تدبير الأزمات الدورية بين البلدين.
وكان الخطاب الملكي قد تناول تداعيات أزمة الهجرة والتجاذبات التي رافقتها، وانتقد توظيفها في الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني، مع التأكيد على أن التعاون بين البلدين لا ينبغي أن يخضع للضغوط أو التهديدات، والدعوة إلى مراجعة النموذج القائم للتعاون في مجال الهجرة.
كما طرح الملك محمد السادس توجها نحو صياغة رؤية استراتيجية جديدة للتعاون مع إسبانيا، تقوم على المصالح المشتركة والتنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، في إشارة إلى ضرورة تجاوز التدبير الظرفي للأزمات.
إقرأ أيضا : عتيق السعيد يقرأ رسائل الخطاب الملكي بشأن الهجرة والتعاون مع إسبانيا
وفي هذا السياق، يرى دريوش أن المغرب لم يعد يكتفي بالحفاظ على التعاون القائم، بل يطرح سؤال فعاليته وقدرته على امتصاص الخلافات، خاصة عندما تتحول قضايا الهجرة والحدود إلى أدوات في الصراع السياسي الداخلي الإسباني.
ويؤكد أن التعاون بين البلدين قرار سيادي يخدم مصالحهما المشتركة، غير أن استمراره يقتضي إعادة بنائه على أسس أكثر صلابة إذا ثبت عجز آلياته الحالية عن منع الأزمات المتكررة أو الحد من تداعياتها.
وبالنسبة إلى الباحث المتخصص في العلاقات بين إسبانيا والمغرب، فإن رسائل الرباط لا تتوقف عند الحكومة الإسبانية الحالية، بل تتجه أيضا إلى القوى السياسية التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة بعد الانتخابات التشريعية، في انتظار اتضاح الخريطة السياسية في الجارة الشمالية.
وتضع هذه المعطيات زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية عند تقاطع ثلاثة ملفات متداخلة: الصراع الانتخابي الإسباني، والخلاف التاريخي بشأن المدينتين، ومستقبل التعاون بين الرباط ومدريد بعد أزمة الهجرة الأخيرة.
وبينما تؤكد المؤسسة الملكية الإسبانية حضورها الرمزي في المدينتين، يتمسك المغرب، وفق قراءة دريوش، بمقاربة تضع استقرار العلاقات في مواجهة الاختبارات المتكررة. وهو ما يجعل الرهان خلال المرحلة المقبلة متعلقا بقدرة الطرفين على بناء تعاون يصمد أمام التحولات السياسية، دون افتراض أن الملفات الخلافية القائمة قابلة للتسوية في المدى القريب.


