أعاد الملك محمد السادس، في خطابه أمام البرلمان يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، التأكيد على الدور الاستراتيجي للقطاع الخاص في التحول الاقتصادي للمغرب، داعيا إلى تعزيز روح المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل. وتضع هذه الدعوة المقاولات والمستثمرين أمام سؤال أساسي يتعلق بطبيعة الاستثمارات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، ومدى قدرتها على إحداث قيمة مضافة وتوفير وظائف مستدامة.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي رشيد الساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة النظر في توجهات الاستثمار الخاص، والانتقال نحو قطاعات أكثر قدرة على خلق فرص الشغل، مع إيلاء اهتمام خاص للمقاولات الصغيرة والناشئة والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وأوضح الساري، في تصريح خاص لـ«المحيط»، أن الاقتصاد المغربي يواجه إشكالية تتعلق بمحدودية الأثر التشغيلي لعدد من الاستثمارات الكبرى، رغم حجم الموارد المالية المعبأة لإنجازها، مشيرا إلى أن تقييم الاستثمار ينبغي ألا يقتصر على قيمته المالية أو مساهمته في النمو، بل يجب أن يشمل مردوديته الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى الخبير أن الاعتماد على المقاولات الكبرى وحدها لإحداث فرص الشغل لن يكون كافيا، بالنظر إلى التحولات التي تعرفها أنظمة الإنتاج، وتزايد استخدام الآلات والتقنيات الرقمية والأتمتة، وهو ما يقلص الحاجة النسبية إلى اليد العاملة في بعض الأنشطة.
وفي المقابل، يدعو إلى جعل المقاولات الصغيرة والناشئة في صلب السياسات الاقتصادية، باعتبارها قادرة على توسيع قاعدة التشغيل وتحفيز المبادرة المقاولاتية، شريطة توفير التمويل والمواكبة والبيئة الملائمة لنموها.
ويؤكد الساري أن قطاع الخدمات يمثل أحد المجالات التي ينبغي الاستثمار فيها بصورة أكبر، خصوصا الأنشطة المرتبطة بالتجارة الإلكترونية والتكنولوجيات الحديثة والرقمنة والذكاء الاصطناعي وترحيل الخدمات، لما تتيحه من فرص لتنويع الاقتصاد وإحداث وظائف جديدة.
ويستحضر في هذا الإطار التجربة الهندية، التي تمكنت من تطوير أنشطة خدمية وتكنولوجية ذات حضور دولي، معتبرا أن المغرب يمكنه الاستفادة من بعض عناصر هذه التجربة عبر تطوير الكفاءات وتشجيع المقاولات العاملة في الاقتصاد الرقمي.
ولا يعني هذا التوجه، بحسب الخبير، التخلي عن المكتسبات التي حققها المغرب في الصناعة والسياحة، بل البناء عليها وتوسيع مجالات الاستثمار الخاص نحو قطاعات جديدة، وفي مقدمتها الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة والاقتصاد الدائري.
ويعتبر أن هذه المجالات تتيح فرصا لتطوير أنشطة إنتاجية وخدمية مبتكرة، لكنها تحتاج إلى آليات تمويل تتلاءم مع طبيعة المشاريع الجديدة، خاصة تلك التي تواجه مخاطر مرتفعة خلال مراحل الانطلاق والتوسع.
وفي هذا الصدد، يتساءل الساري عن مدى كفاية التحفيزات التي توفرها المنظومة الجديدة للاستثمار، معتبرا أن التشجيع الضريبي والدعم المالي لا يمكن أن يحققا وحدهما التحول المطلوب، ما لم يواكبهما انخراط أقوى للمؤسسات المالية.
ويدعو إلى تطوير نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، عبر إشراك المؤسسات المالية بصورة مباشرة في تمويل الاستثمارات وتقاسم مخاطرها، بما يسمح بتعبئة موارد إضافية وتوجيهها نحو القطاعات الواعدة.
ويقترح، في هذا الإطار، الانتقال من النموذج التقليدي للشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى صيغة ثلاثية تجمع الدولة والمقاولات والمؤسسات المالية، باعتبارها مدخلا لتعزيز تمويل المشاريع ورفع مساهمتها في التنمية الاقتصادية.
وتأتي هذه القراءة في وقت يطرح فيه البنك الدولي، في تقاريره حول الاقتصاد المغربي والقطاع الخاص، تحديات مرتبطة بتوسيع نشاط المقاولات وتحسين المنافسة والولوج إلى التمويل، إلى جانب ضرورة تعزيز قدرة الاقتصاد على خلق فرص الشغل.
وتشير معطيات البنك الدولي إلى أن نمو السكان في سن العمل بالمغرب، خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2024، كان أسرع بنحو مرتين ونصف من نمو التشغيل، ما يعكس الحاجة إلى استثمارات أكثر قدرة على استيعاب اليد العاملة.
وتبرز هذه المعطيات أن توسيع دور القطاع الخاص لا يرتبط فقط بزيادة حجم الأموال المستثمرة، بل يتطلب أيضا تحسين توزيع الفرص بين المقاولات، وتشجيع الابتكار، وتسهيل ولوج المشاريع الصغيرة والناشئة إلى التمويل والأسواق.
وبذلك تفتح الدعوة الملكية أمام القطاع الخاص نقاشا حول طبيعة مساهمته في التحول الاقتصادي للمملكة، ومدى قدرته على الانتقال من الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة إلى المبادرة بخلق أنشطة جديدة ووظائف مستدامة.
فالتحدي المطروح لا يقتصر على استقطاب مزيد من رؤوس الأموال، وإنما يمتد إلى توجيهها نحو مشاريع تجمع بين المردودية الاقتصادية وخلق القيمة المضافة والتشغيل، بما يجعل القطاع الخاص شريكا فعليا في تحقيق طموحات المغرب الاقتصادية والاجتماعية.


