من صنعاء إلى طهران.. كيف تعيد السعودية قراءة المعادلة اليمنية؟

في أبريل 2025، وصل وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى طهران حاملا رسالة من الملك سلمان بن عبد العزيز إلى القيادة الإيرانية. وبعد ثمانية عشر شهرا، عاد المسؤول السعودي نفسه إلى العاصمة الإيرانية، لكن هذه المرة برفقة قائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركية، وفي سياق إقليمي أشد اضطرابا، تتداخل فيه الحرب اليمنية مع أمن الخليج والمواجهة الأمريكية الإيرانية.

بين الزيارتين تغيرت معطيات كثيرة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على الرياض ظل قائما: كيف يمكن تحييد التهديد القادم من اليمن في ظل علاقة الحوثيين بإيران، ودون الانزلاق مجددا إلى حرب طويلة يصعب حسمها عسكريا؟

لا يقدم اجتماع طهران، المنعقد في 26 أكتوبر 2026، جوابا نهائيا عن هذا السؤال. لكنه يكشف عن محاولة سعودية للتعامل مع الأزمة اليمنية ضمن معادلة إقليمية أوسع، تتجاوز الحدود السعودية اليمنية، وتضع النفوذ الإيراني والحسابات الأمريكية ودور القوى الإقليمية الصاعدة في صلب البحث عن تسوية.

والسؤال هنا ليس ما إذا كانت طهران تملك القرار اليمني كاملا، بل إلى أي مدى تستطيع التأثير في خيارات الحوثيين، وما الذي يمكن أن تحصل عليه الرياض من مخاطبة إيران مباشرة، إلى جانب استمرار التعامل مع الأطراف اليمنية.

من زيارة 2025 إلى اجتماع 2026

عندما زار خالد بن سلمان طهران في 17 أبريل 2025، كانت المنطقة تمر بمرحلة مختلفة. فقد جاءت الزيارة في ظل مساع دبلوماسية لتخفيف التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وبعد نحو عامين من الاتفاق السعودي الإيراني لاستئناف العلاقات الدبلوماسية برعاية صينية.

وحملت الزيارة دلالة خاصة بسبب طبيعة الوفد السعودي، الذي ضم السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، أحد أبرز المسؤولين المعنيين بمتابعة الملف اليمني.

لم يكن وجود آل جابر دليلا قاطعا على أن اليمن كان الموضوع الوحيد أو الرئيسي للمحادثات، لكنه أبرز تداخل هذا الملف مع العلاقات السعودية الإيرانية، وأظهر أن الرياض كانت تنظر إلى التواصل مع طهران باعتباره إحدى القنوات الممكنة لإدارة الأزمة.

أما اجتماع أكتوبر 2026 فجاء في ظروف أكثر تعقيدا. فقد امتدت المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية إلى أمن الخليج، وتصاعدت الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، فيما أصبحت الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر جزءا من أزمة إقليمية متشابكة.

هذه المرة لم تتوجه السعودية منفردة إلى طهران. فقد شارك معها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، في أول اجتماع من هذا المستوى مع إيران منذ توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين الدول الثلاث في غشت الماضي.

ووفقا للبيان الختامي، اتفقت الأطراف الأربع على مواصلة الحوار لتعزيز التعاون في قضايا السلام والأمن الإقليميين. غير أن البيان لم يتضمن ترتيبات تنفيذية لوقف الهجمات أو اتفاقا محددا بشأن اليمن.

والفارق بين المحطتين لا يكمن، إذن، في اكتشاف سعودي متأخر لأهمية إيران، بل في انتقال التواصل معها من إطار ثنائي إلى مسار أمني تشارك فيه قوى إقليمية أخرى، في وقت أصبحت فيه تكلفة استمرار التصعيد أكبر.

هل يوجد القرار اليمني في طهران؟

يفتح الاجتماع مجددا واحدا من أكثر الأسئلة تعقيدا في فهم الحرب اليمنية: ما حدود استقلال الحوثيين عن إيران؟

من السهل اختزال العلاقة في صورة قيادة إيرانية تصدر التعليمات وحركة يمنية تنفذها. لكن هذه القراءة، على الرغم من استنادها إلى حقيقة الدعم الإيراني العسكري والسياسي للحوثيين، لا تفسر وحدها سلوك الحركة ولا تطور حساباتها منذ سيطرتها على صنعاء.

فالحوثيون قوة يمنية تمتلك قيادة مستقلة، وبنية عسكرية وأمنية، ومصالح سياسية مرتبطة بالسيطرة على الأرض وإدارة مناطق نفوذها. كما أن قراراتها تتأثر بصراعات الداخل اليمني، وبعلاقتها مع خصومها المحليين، وبحاجتها إلى الحفاظ على موقعها التفاوضي.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الدعم الإيراني ساهم في تعزيز قدرات الحركة، ولا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، وأن ارتباطها بطهران منحها موقعا في شبكة أوسع من القوى المناوئة للولايات المتحدة وإسرائيل.

وهكذا، فإن استقلال القرار الحوثي لا ينفي النفوذ الإيراني، مثلما أن وجود هذا النفوذ لا يعني امتلاك طهران قدرة مطلقة على التحكم في كل قرار تتخذه قيادة صنعاء.

بالنسبة إلى السعودية، يفرض هذا الواقع التعامل مع مستويين متداخلين: مستوى يمني يتعلق بالسلطة والأرض والترتيبات الأمنية والاقتصادية، ومستوى إقليمي يتعلق بالدعم العسكري والتصعيد عبر الحدود والرسائل المتبادلة بين إيران وخصومها.

ومن هنا تبرز فرضية أساسية: ربما لا تبحث الرياض في طهران عن طرف يقرر نيابة عن الحوثيين، بقدر ما تختبر قدرة إيران على المساهمة في ضبط التصعيد، أو على الأقل تقليص العوامل الإقليمية التي تغذيه.

غير أن هذه الفرضية لا يمكن اعتبارها نتيجة مثبتة للاجتماع، ما لم تظهر تفاهمات عملية تنعكس على سلوك الأطراف في اليمن.

اتفاقية مكة.. الردع يلتقي الدبلوماسية

تحمل مشاركة تركيا وباكستان في اجتماع طهران مفارقة سياسية لافتة.

فالدول الثلاث التي وقعت اتفاقية مكة للدفاع المشترك في غشت 2026 اختارت إجراء محادثات أمنية مباشرة مع إيران، في وقت تواجه فيه السعودية تهديدات عسكرية مرتبطة بالحوثيين، وتتزايد المخاوف من اتساع المواجهة الإقليمية.

لكن بناء قدرة مشتركة على الردع لا يتعارض بالضرورة مع فتح قنوات تفاوض. فقد تستخدم الدول التحالفات الدفاعية لتقوية موقعها التفاوضي، لا للتمهيد الحتمي إلى الحرب.

وتكشف طبيعة المشاركة التركية والباكستانية عن حدود هذه المعادلة. فأنقرة وإسلام آباد تملكان علاقات وقنوات اتصال مع طهران، لكنهما تواجهان في الوقت نفسه قيودا سياسية وعسكرية تجعل الانخراط المباشر في حرب يمنية جديدة خيارا مكلفا.

وفي قراءة نشرتها الجزيرة الإنجليزية بالتزامن مع الاجتماع، رأت الباحثة عائشة صديقة، من قسم دراسات الحرب في كينغز كوليدج لندن، أن تركيا وباكستان لا تستطيعان تحمل كلفة نشر قوات برية في اليمن، رغم التزامات التعاون الأمني مع السعودية.

أما علي فايز، من مجموعة الأزمات الدولية، فاعتبر أن زيارة الوفود إلى طهران تمثل محاولة لتغليب فرص التسوية قبل تجدد المواجهة، لكنه حذر من أن حسن النيات لن يكون كافيا ما لم تحمل الوساطة تصورا قابلا للتطبيق لتقريب المواقف الأمريكية والإيرانية.

تساعد هاتان القراءتان على فهم طبيعة التحرك: ليست الرياض بصدد استبدال القوة العسكرية بالدبلوماسية، وإنما تحاول توظيف المسارين معا، مع الاستفادة من علاقات شركائها بإيران.

اليمن بين هرمز وباب المندب

لم تعد الأزمة اليمنية منفصلة عن أمن الطاقة والتجارة العالمية.

فالهجمات التي يعلن الحوثيون تنفيذها على منشآت سعودية، والتهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر، تتقاطع مع اضطراب حركة السفن عبر مضيق هرمز والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

بالنسبة إلى السعودية، يمثل هذا الترابط تحديا استراتيجيا مضاعفا. فهي تحتاج إلى حماية منشآتها النفطية ومدنها ومطاراتها، لكنها تحتاج أيضا إلى ضمان استمرار الصادرات وطرق الإمداد، بما فيها المسارات التي اكتسبت أهمية إضافية مع اضطراب الملاحة الخليجية.

ومن هذه الزاوية، يصبح اليمن جزءا من معادلة أمنية تمتد من البحر الأحمر إلى الخليج، وليس مجرد ملف حدودي يمكن عزله عن بقية أزمات المنطقة.

وقد أفادت رويترز بأن جدول محادثات طهران شمل الهجمات الحوثية على السعودية، ومضيق هرمز، والمفاوضات الأمريكية الإيرانية، والقيود المفروضة على الموانئ الإيرانية.

وهذا الاتساع في جدول الأعمال يفسر لماذا اختارت الرياض المشاركة في اجتماع متعدد الأطراف، بدلا من حصر اتصالاتها في مسار يمني منفصل.

لكن الربط بين الملفات يحمل مخاطرة أيضا: فإذا أصبحت التهدئة في اليمن مشروطة بتسوية أوسع بين واشنطن وطهران، فقد يتراجع هامش الحلول اليمنية المستقلة، وتصبح الأزمة المحلية رهينة حسابات لا يملك اليمنيون التحكم فيها.

هل يتشكل نظام أمني إقليمي جديد؟

يطرح اجتماع طهران سؤالا يتجاوز السعودية واليمن: هل بدأت القوى الإقليمية تبحث عن ترتيبات أمنية تستطيع من خلالها إدارة خلافاتها دون الاعتماد الكامل على التدخل الخارجي؟

أشار مسؤولون إيرانيون إلى إمكان تطوير آليات للأمن الإقليمي، فيما تحدث مسؤول باكستاني، وفق رويترز، عن بحث شبكة إقليمية لعدم الاعتداء.

وفي السياق نفسه، دعا وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى تصور أمني يشمل دول الخليج وإيران والعراق، معتبرا أن الاستقرار المستدام يتطلب ترتيبات تنبع من داخل المنطقة.

لكن الانتقال من هذه الأفكار إلى نظام أمني فعلي يواجه عقبات كبيرة. فالدول المعنية تختلف بشأن التهديدات والأولويات والتحالفات، كما أن علاقات السعودية وتركيا وباكستان بالولايات المتحدة لا يمكن تجاوزها بمجرد عقد اجتماع مع إيران.

ثم إن أي منظومة للأمن الإقليمي ستظل محدودة المصداقية إذا لم تتمكن من معالجة الملفات التي تمس أمن الدول مباشرة، وفي مقدمتها الهجمات العابرة للحدود، وأمن الملاحة، ودور الجماعات المسلحة.

ولذلك، يبدو من المبكر وصف اجتماع طهران بأنه تأسيس لنظام جديد. الأدق أنه اختبار لإمكان الجمع بين الردع والحوار في منطقة ما زالت تفتقر إلى قواعد أمنية مقبولة من جميع الأطراف.

ما الذي تغير في الحسابات السعودية؟

إذا كانت زيارة أبريل 2025 قد أظهرت استعداد الرياض لمواصلة التواصل مع طهران، فإن اجتماع أكتوبر 2026 يعكس اختبارا أكثر إلحاحا لجدوى هذا التواصل.

فالسعودية تواجه اليوم معادلة تجمع بين استمرار التهديد الحوثي، وارتفاع تكلفة المواجهة العسكرية، والحاجة إلى حماية استقرارها الاقتصادي، ومخاطر التصعيد الأمريكي الإيراني.

وفي مثل هذه الظروف، لا يعني الذهاب إلى طهران الإقرار بأن إيران تتحكم في كل تفاصيل القرار اليمني، ولا يعني التخلي عن دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.

لكنه قد يعكس إدراكا بأن أي ترتيبات أمنية مع الحوثيين ستظل معرضة للاهتزاز إذا استمرت المواجهة الإقليمية التي تمنح الحركة موارد وقدرات وأدوارا تتجاوز حدود اليمن.

ويبقى الاختبار الحقيقي لما جرى في طهران خارج قاعات الاجتماعات: هل تنخفض الهجمات على السعودية؟ هل تتراجع المخاطر التي تهدد الملاحة؟ وهل تظهر خطوات متبادلة تسمح بإعادة إطلاق مسار سياسي يمني؟

إلى أن تتضح الإجابات، سيظل الاجتماع مؤشرا على تغير أدوات إدارة الأزمة أكثر منه دليلا على تغير موازين النفوذ أو الوصول إلى تسوية.

فبين صنعاء وطهران، لا تبحث السعودية عن جواب واحد لسؤال الأمن، وإنما تواجه شبكة من القرارات والمصالح المتداخلة. وقد يكون التحول الأهم في مقاربتها هو التعامل مع هذه الشبكة كما هي، بدلا من افتراض أن مفاتيحها موجودة كلها في عاصمة واحدة.