تحت عنوان لافت: “لا توجد سوى أربع قوى عظمى”، تطرح مجلة “فورين بوليسي” قراءة تعتبر أن عصر التنافس بين القوى الكبرى عاد فعليا، لكن ليس كل من يطمح إلى لعب دور عالمي يمكن اعتباره قوة عظمى بالمعنى الحقيقي للكلمة.
التحليل ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن العالم يعيش مرحلة إعادة تشكل عميقة للنظام الدولي، حيث تتراجع تدريجيا مرحلة الهيمنة الأحادية الأمريكية، مقابل صعود صراعات النفوذ والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد. لكن المفارقة أن عدد القوى العظمى الحقيقية أقل بكثير مما يوحي به الخطاب السياسي والإعلامي العالمي.
فبعيدا عن التصنيفات التقليدية، ترى المجلة أن القوى التي تستوفي فعليا شروط “القوة العظمى” لا تتجاوز أربع دول: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والمملكة المتحدة، بينما يبقى وضع فرنسا محل نقاش، رغم احتفاظها ببعض عناصر النفوذ العالمي.
التحليل يرفض اختزال القوة في حجم الاقتصاد فقط، لأن الناتج الداخلي الخام لم يعد وحده معيار الهيمنة في القرن الحادي والعشرين. فهناك اقتصادات ضخمة تفتقد القدرة على فرض النفوذ خارج حدودها أو حماية مصالحها الاستراتيجية في لحظات التوتر الكبرى.
ولهذا يقترح التقرير معادلة أكثر تعقيدا تقوم على أربعة عناصر: الموارد، والانتشار، والسمعة، والمرونة.
الموارد هنا لا تعني المال فقط، بل تشمل القوة العسكرية، والقدرات النووية، والسيطرة على التكنولوجيا، والاستقلال الصناعي والطاقي. ومن هذا المنطلق، تحافظ روسيا على مكانتها رغم هشاشتها الاقتصادية، بفضل ترسانتها النووية الضخمة وقدرتها على التأثير في التوازنات الأمنية العالمية.
أما “الانتشار”، فيرتبط بقدرة الدولة على فرض حضورها خارج حدودها، سواء عبر القواعد العسكرية أو النفوذ البحري أو الاستخبارات أو التحكم في سلاسل التوريد العالمية. وهنا تتفوق الولايات المتحدة بوضوح عبر شبكتها العسكرية العابرة للقارات، بينما تبني الصين نفوذها تدريجيا عبر التجارة العالمية والبنية التحتية والمعادن الاستراتيجية المرتبطة بالتحول التكنولوجي والأخضر.
ويبدو واضحا أن التقرير يتعامل مع سلاسل الإمداد باعتبارها سلاحا جيوسياسيا جديدا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية، خصوصا في ظل سيطرة الصين على جزء كبير من المعادن الحيوية اللازمة للصناعات التكنولوجية والطاقات النظيفة.
العنصر الثالث هو “السمعة الدولية”، أي الصورة التي تفرضها الدولة عن نفسها داخل النظام العالمي. فالقوى العظمى لا تكتفي بالقوة الصلبة، بل تحتاج أيضا إلى مشروع سياسي أو حضاري يمنحها شرعية النفوذ.
وفي هذا السياق، ما تزال الولايات المتحدة تقدم نفسها كحامية للنظام الليبرالي العالمي، بينما تروج الصين لنموذج حضاري مستقل، وتتبنى روسيا خطابا محافظا مضادا للغرب. أما بريطانيا، فرغم تراجع وزنها الإمبراطوري، فإنها ما تزال تستفيد من نفوذ دبلوماسي واستخباراتي وتحالفات استراتيجية واسعة.
لكن العنصر الأكثر عمقا في التقرير يبقى “المرونة”. فالقوة الحقيقية، بحسب التحليل، ليست فقط في القدرة على الانتصار، بل في القدرة على تحمل الصدمات والانقسامات والأزمات والتعافي منها تاريخيا.
ولهذا يمنح التقرير وزنا خاصا للتجربة الأمريكية والبريطانية، باعتبار أن الدولتين أثبتتا عبر التاريخ قدرة متكررة على استعادة النفوذ بعد الأزمات والحروب والهزائم الكبرى.
وفي المقابل، يستبعد التقرير قوى اقتصادية كبرى مثل ألمانيا واليابان والهند من دائرة القوى العظمى الكاملة، بسبب محدودية نفوذها العسكري العالمي أو غياب الردع النووي أو ضعف القدرة على فرض النفوذ خارج المجال الإقليمي.
وبين سطور هذا التحليل، تظهر ملامح عالم جديد لم تعد فيه القوة مرتبطة فقط بالجيوش أو الاقتصاد، بل أيضا بالقدرة على التحكم في التكنولوجيا والطاقة والبيانات والمعادن وسلاسل الإمداد والمرونة الداخلية.
وفي النهاية، يطرح التقرير سؤالا استراتيجيا أعمق من مجرد ترتيب القوى: من يملك القدرة على الاستمرار عندما تدخل البشرية مرحلة الأزمات الكبرى طويلة المدى؟


